تُقدَّم اليوم دورات مجانية ومدفوعة، كثير منها لا يمثل سوى هدرٍ مالي وزمني ومعرفي. والأسوأ أنها لا تكتفي بعدم تحقيق أهدافها، بل تُسهم أحيانًا في صناعة نوع من الجهل المركب المصحوب بثقة زائفة؛ إذ تمنح المتدرب شعورًا بالتمكن، فيما هو لم يقترب فعليًا من جوهر المهارة التي وُعد بها.
والجهل المركب هنا لا يعني مجرد غياب المعرفة، بل غيابها مع اعتقاد راسخ بامتلاكها. وهذا أخطر من الجهل البسيط؛ لأن صاحبه يتوقف عن التعلم وهو يظن أنه بلغ الغاية. لذلك لا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها خللًا عابرًا في إعلان تدريبي، بل بوصفها مؤشرًا على إشكالية أعمق في تصميم البرامج، وفي آليات الإشراف والتقويم داخل بعض الجهات التي تتولى تنفيذها.
وقد اطلعت مؤخرًا على عدد من الدورات المقدمة في إحدى الجهات، وتوقفت طويلًا أمامها، لا بدافع التقليل من الجهود، ولا بحثًا عن هفوة شكلية، وإنما من زاوية تحليلية تتأمل الاتساق بين العنوان والمحتوى. قرأت العناوين، وفحصت الأهداف، وحللت المحاور، متجاوزًا أسماء المدربين وسيرهم الذاتية، مع أهميتها في التقييم الشامل؛ لأن المقصود هنا هو بنية البرنامج نفسه، لا الأشخاص.
في أحد النماذج جاء العنوان: «دورة جودة الخدمات السياحية». وهو عنوان يحمل وعدًا مهنيًا واضحًا؛ فالجودة في السياحة ليست توصيفًا عامًا، بل مفهوم يرتبط بمعايير الأداء، وتجربة الضيف، وإدارة الشكاوى، وقياس الرضا، والتحسين المستمر. والمتدرب الذي يلتحق بمثل هذه الدورة يتوقع أن يتعلم أدوات قياس الجودة، ومؤشرات الأداء الرئيسة، وكيفية تصميم إجراءات تضمن اتساق الخدمة، وآليات التقويم الداخلي والخارجي.
لكن قراءة الأهداف كشفت تركيزًا على التعريف بتاريخ صناعة السياحة، وأنواع الفنادق وتصنيفاتها، وخدمات الأغذية والمشروبات، ودور السياحة في النظامين الاقتصادي والاجتماعي، وأنواع الضيافة ووظائفها. وهذه موضوعات تأسيسية مهمة لفهم القطاع، لكنها أقرب إلى المعرفة الوصفية العامة منها إلى إدارة الجودة بوصفها ممارسة تطبيقية منهجية. وبذلك، حتى لو تحققت هذه المحاور جميعًا، فإن المتدرب سيخرج بفهم عام للصناعة، لا بقدرة على إدارة الجودة فيها. وهنا تتشكل بذرة الجهل المركب؛ إذ يظن المتدرب أنه أصبح قادرًا على الحديث عن الجودة، وربما اتخاذ قرارات باسمها، بينما لم يتدرب فعليًا على أدواتها وآلياتها.
وفي نموذج آخر جاء العنوان: «دورة صناعة التجارب السياحية». وهو مصطلح حديث يرتبط بمفهوم متقدم في السياحة المعاصرة؛ فالسياحة اليوم لا تبيع خدمة فحسب، بل تبني تجربة متكاملة تُصاغ بعناية لتؤثر في الذاكرة والانطباع والولاء. وصناعة التجارب تعني تصميم رحلة العميل، ورسم نقاط التفاعل، وخلق قيمة عاطفية وثقافية تتجاوز الإقامة أو الزيارة.
غير أن الأهداف المعلنة ركزت على الإلمام بمراحل العملية الشرائية، والتعرف على العوامل الاقتصادية والاجتماعية، والتمييز بين دوافع السفر وطبيعة المنتج السياحي، والتعرف على الاتجاهات السياحية الحديثة، وآلية التعامل لحل مشكلة العمل. وهي محاور نظرية تتصل بسلوك المستهلك والعوامل المؤثرة في الطلب، لكنها لا تقدم إطارًا عمليًا لصناعة التجربة ذاتها. فلا يظهر في الأهداف ما يشير إلى تصميم الخدمة، أو إدارة نقاط الاتصال، أو تحليل رحلة العميل، أو قياس الأثر الانطباعي. وهنا يتكرر الخلل نفسه: يتحقق المحتوى كما هو مكتوب، لكن لا يتحقق الوعد الذي يحمله العنوان.
المسألة إذن لا تتعلق بنقد دورة بعينها، بل بإشكالية تصميمية تتكرر في أكثر من برنامج. فعندما يُعلن عنوان يحمل مفهومًا مهنيًا دقيقًا، ثم تُبنى الأهداف حول موضوعات عامة، تنشأ فجوة بين ما يتوقعه المتلقي وما يقدمه البرنامج فعلًا. وقد تتحقق الأهداف الفرعية كما صيغت، لكن الهدف الكلي الذي يوحي به العنوان لا يتحقق. والأسوأ أن المتدرب قد يخرج بشهادة تعزز ثقته بنفسه، فتتضاعف هذه الثقة الزائفة القائمة على معرفة سطحية لا تصمد أمام الممارسة.
وهنا يكمن جوهر الخلل: تحقيق المحاور لا يعني تحقيق الغاية. فالتصميم التدريبي الرصين يقوم على مبدأ الاتساق: عنوان يعكس بدقة مستوى التدريب، وأهداف قابلة للقياس، ومحتوى يخدم تلك الأهداف مباشرة، وأنشطة تطبيقية تنقل المعرفة إلى مهارة، وأدوات تقويم تقيس الأثر في بيئة العمل. فإذا انفصل العنوان عن المحتوى، تحول التدريب إلى خطاب دعائي، لا إلى تجربة تعلم حقيقية، وأصبح إنتاج الجهل المركب نتيجة واقعية، حتى لو لم تكن مقصودة.
وتتضاعف المشكلة حين تُقدَّم هذه البرامج تحت مظلة جهات يُفترض أنها معنية برفع الكفاءة وتأهيل الكفاءات الوطنية. فرفع الكفاءة لا يتحقق بكثرة الدورات، ولا بعدد الشهادات، بل بمدى دقة البناء التدريبي واتساقه. والكفاءة تبدأ من صحة التصميم قبل اختبار الفاعلية. فإذا كان البناء نفسه غير منسجم، أصبحت الفاعلية ادعاءً هشًّا، مهما كثرت أعداد الحضور أو الصور التذكارية.
إن الفجوة بين العنوان والمحاور ليست تفصيلًا لغويًا، بل علامة على اضطراب في فلسفة التدريب ذاتها. فالتدريب عملية هندسية تبدأ بتحليل الاحتياج، ثم صياغة نتائج تعلم واضحة، فتصميم محتوى يخدمها، ثم بناء أدوات تقويم تقيس تحققها. أما حين يُستخدم العنوان أداة جذب فقط، دون أن يكون انعكاسًا حقيقيًا للمحتوى، فإن البرنامج يفقد مصداقيته من اللحظة الأولى، ويغدو الاستثمار فيه استثمارًا في الصورة لا في المهارة.
والمساءلة هنا ليست تشكيكًا في النوايا، ولا استهدافًا لأشخاص، بل دفاع عن قيمة التدريب بوصفه استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان. فحين يخرج المتدرب معتقدًا أنه أتقن جودة الخدمات أو صناعة التجارب، بينما لم يتلقَّ الأدوات الحقيقية لذلك، فإننا لا نكون قد أضعنا وقته فحسب، بل نكون قد أسهمنا في تكوين وعي مهني مشوش، قائم على ثقة زائفة لا على تمكن حقيقي.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في آليات اعتماد البرامج، ووضع معايير صارمة تضمن أن كل عنوان هو التزام معرفي، لا عبارة تسويقية عابرة. فالتعليم والتدريب، متى فقدا الاتساق بين الوعد والمحتوى، تحولا من أداة تمكين إلى عبء على الوقت والموارد، بل إلى مصدر لإنتاج جهلٍ مركب يعيق التطوير بدل أن يصنعه.
التدريب ليس قاعةً ومحاضرًا وشهادة. التدريب مسؤولية أخلاقية ومهنية. فإذا تحول العنوان إلى إغراء، والمحتوى إلى عموميات، فإننا لا نخرّج كفاءات، بل ننتج ثقة بلا أساس. والثقة غير المسندة بمهارة أخطر من الجهل الصريح.
وأحسب أن اطلاع مقدمي هذه الدورات على مثل هذا النقد قد يكون فرصة حقيقية لتطوير ما يقدمونه، ورفع أثره في بيئة العمل. فالمدرب الجاد لا ينظر إلى النقد بوصفه استهدافًا، بل يعدّه أداة تطوير ترفع جودة التدريب، وتمنح المتدرب كفاءة حقيقية لا ثقة زائفة.





