المقالات

إعادة تعريف العدو والصديق: من الشعارات والأيديولوجيا إلى المعايير

«في عيون العاصفة» (5)

((وسائل الاتصال الجديدة تمنح الصوت لمن لا يملكون أدوات المعرفة، مما يضاعف من انتشار الأحكام السطحية في القضايا المعقدة))

تتحدد مواقف المجتمعات في الغالب عبر مفهومي “العدو” و”الصديق”، وقد أشار كارل شميت إلى أن التمييز بينهما يمثل جوهر الفعل السياسي، غير أن هذين المفهومين في السياق العربي ظلا عرضة لإعادة تعريف مستمرة، تتأثر بالخطاب السياسي والإعلامي أكثر مما تستند إلى معيار موضوعي ثابت، ونتيجة لذلك يتشكل وعيا عاما يقوم على رد الفعل، ويتبدل تبعا للتحولات الإعلامية والاصطفافات الآنية، دون أن يتأسس على إدراك مستقر للمصالح أو المخاطر.
وفي هذا السياق تؤدي الشعارات دورا مركزيا في تشكيل المواقف، لكنها غالبا ما تختزل الواقع المعقد في عبارات بسيطة وسريعة التداول، فتمنح إحساسا زائفا بالوضوح. المشكلة تبدأ حين يتحول الشعار إلى بديل عن التفكير، فيُستخدم لتحديد العدو والصديق دون فحص للوقائع أو مراجعة للسياق. ومع تكراره يتحول إلى إطار جاهز يُعاد من خلاله تفسير الأحداث، فيتقدم الانفعال على التحليل، وتُستبدل المعايير بالشعارات، وهو ما يضعف القدرة على بناء موقف قائم على الفهم لا على التلقي.
في كثير من الحالات يتم تعريف العدو من خلال الرواية السائدة لا من خلال الفعل الواقعي، كما يتم تصنيف الصديق وفق الشعارات لا وفق السلوك الفعلي على الأرض، وهذا النمط من التفكير يفتح المجال لاضطراب في المواقف، حيث يمكن أن يتحول الخصم إلى حليف في الخطاب أو العكس دون مراجعة نقدية حقيقية.
ويظهر هذا بوضوح في حالات تتبدل فيها مواقف بعض الخطابات تجاه الفاعل نفسه دون تغير في سلوكه، وإنما نتيجة تغير زاوية التناول الإعلامي.
كما أن ما قرره ابن خلدون من أن “الناس على دين ملوكهم” يكشف كيف يعاد تشكيل هذه المفاهيم عبر السلطة والخطاب المهيمن.
من الناحية التحليلية يتطلب بناء وعي أكثر تماسكا الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق المعايير.
وأول هذه المعايير: هو معيار الفعل، أي تقييم الأطراف بناء على ما تقوم به لا ما تقوله، والفارق بين الخطاب والممارسة يمثل نقطة مركزية، لأن كثيرا من الخطابات السياسية تُقدم بلغة أخلاقية عالية توحي بالمبادئ والقيم، لكن عند النظر إلى الواقع تظهر مصالح مختلفة تقود هذا الخطاب، وهو ما يتقاطع مع ما أشار إليه ميكيافيلي حين أكد أن السياسة تُدار وفق الضرورة لا وفق المُثل، وقد بين بيير بورديو في كتابه (اللغة والسلطةالرمزية) في تحليله للغة والسلطة أن اللغة لا تُستخدم فقط للتعبير، بل يمكن أن تُستعمل أيضا لإخفاء التناقض بين ما يُقال وما يُفعل، وهو ما يجعل القراءة النقدية ضرورة لفهم المعنى الحقيقي وراء الخطاب.
المعيار الثاني: هو معيار المصلحة، ويقصد به النظر إلى تأثير الفاعل الخارجي أو الداخلي على استقرار المجتمع وتنميته، وهذا المعيار لا يرتبط بالعاطفة إنما بنتائج ملموسة، وقد عبّر هنري كيسنجر عن هذا المعنى بقوله إن العلاقات الدولية لا تقوم على صداقات دائمة أو عداوات دائمة، وإنما على مصالح دائمة، وهو ما يحوّل الحكم من موقف وجداني إلى تقييم عقلاني قائم على النتائج، ويتقاطع ذلك مع ما قرره ونستون تشرشل من أن “الدول ليس لها أصدقاء دائمون بل مصالح دائمة”، في إشارة واضحة إلى مركزية المصلحة في بناء العلاقات.
المعيار الثالث: هو معيار الاستمرارية، لأن المواقف الآنية قد تكون مضللة، والفاعل الذي يتخذ موقفا إيجابيا في لحظة معينة قد يكون له تاريخ مختلف أو سلوك متكرر في اتجاه معاكس، ولتحقيق حكم موضوعي صحيح، لا بد من قراءة سلوك الأطراف في سياقه العام، لا الاكتفاء بحالة واحدة.
إلى جانب هذه المعايير، يبرز دور الإعلام بوصفه وسيطا رئيسا في تشكيل صورة العدو والصديق، ففي كثير من الحالات يتم تأطير الأحداث بطريقة تدفع الجمهور إلى تبني تفسير معين، عبر التركيز على جوانب محددة وإهمال جوانب أخرى، وهو ما توضحه نظرية التأطير الإعلامي التي ترى أن طريقة عرض القضية تؤثر في إدراكها وتقييمها، كما ينسجم ذلك مع ما طرحه والتر ليبمان حول أن الجمهور يتعامل مع “صور ذهنية” يصنعها الإعلام أكثر مما يتعامل مع الواقع نفسه، وضمن هذا السياق يصبح الوعي النقدي ضرورة، لأنه يمكن الفرد من التمييز بين الحدث كما هو، والصورة التي يتم تقديمه بها.
كما أن البيئة الرقمية أسهمت في تسريع إنتاج الأحكام، حيث تنتشر المعلومات بسرعة دون تحقق كاف، ويعاد تداولها في إطار عاطفي مكثف، وهو واقع يعزز منطق الاستقطاب ويضعف القدرة على بناء مواقف متوازنة.
إنّ وسائل الاتصال الحديثة تمنح الصوت لمن لا يملكون أدوات المعرفة، مما يضاعف من انتشار الأحكام السطحية في القضايا المعقدة، وتشير دراسات الاتصال إلى أن تدفق المعلومات دون تنظيم يزيد من احتمالات التحيز وسوء الفهم، وقد يؤدي إلى فقدان الرؤية والبصيرة ومن ثم خلق عداوات وهدم صداقات كانت راسخة.
وبناء وعي عربي جديد لا يعني البحث عن حياد كامل، بل يعني تأسيس موقف قائم على فهم أعمق للواقع، وهذا يتطلب إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها تعريف المفاهيم الأساسية مثل العدو والصديق، بحيث تستند إلى معايير واضحة لا إلى ردود فعل آنية، كما يتطلب تطوير مهارات تحليلية لدى المشاهير تمكنهم من قراءة الأحداث خارج إطار الدعاية أو الانفعال.
وفي هذا الإطار يصبح المثقف مسؤولا عن تقديم نموذج مختلف في التفكير، يقوم على التفكيك والتحليل لا على التبني السريع للمواقف، وألا يقتصر دوره على نقد الخطاب بل يمتد إلى بناء بدائل معرفية تساعد على فهم أكثر دقة، وهذا الدور يتطلب استقلالا نسبيا عن مراكز التأثير وقدرة على مقاومة ضغط السائد.
ويظل البعد الأخلاقي حاضرا كما يؤكد القرآن الكريم في قوله ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، إن إعادة تعريف العدو والصديق تمثل خطوة أساسية نحو بناء وعي أكثر استقرارا، وهذا التعريف لا يمكن أن يقوم على الشعارات وإنما على معايير تتعلق بالفعل والمصلحة والاستمرارية، وفي ظل التحولات المتسارعة يصبح التمسك بهذه المعايير ضرورة لأنها توفر إطارا يمكن من خلاله فهم الواقع دون الوقوع في التبسيط أو التذبذب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى