من منا لم يهزمه الفراق، أو أي من منغصات الحياة؟ نعارك هذه الحياة بكل أحوالها. نكن في هدوء نظنه كذلك، مع روتين الحياة التي تبدو لنا أحيانًا أنها أهملتنا، تركتنا في حالنا. وعلى قول أهل الغرب:
no news is good news؛ عندما لا تأتي الأخبار، ضمنًا مفهومها أنه لا أخبار مقلقة.
ولكن يشق ذلك السكون، في يوم، في شهر، في سنة، أيًا منها، يأتيك بالأخبار من لم تزود. فيفجع قلبك بنبأ كنت تتغطى منه، بقفل كل سبل التواصل، لعل وعسى لا تهب إلا نسائم طيبة رقيقة. فالقلوب أصبحت كما الزجاج؛ إن لم تُكسر فتُخدش، والخدوش وإن بدت أقل وقعًا، ولكنها الأكثر بقاءً وإيلامًا، تستمر ما أستمرت الحياة، وحزن تحمله سمات قلبك قبل تقاطيع وجهك، ولكنهما كلاهما عملة ذات وجهين.
فتتعايش معها بين ليلٍ وسهد، ونهارٍ تحاول أن تخفي تلك الآثار التي قد يفضحها نوره، ولكن هيهات. فصيادو الهموم كُثر، كما هم مراقبو السعادة الذين يحسدون الناس حتى على بسمة عابرة. وبين هذا وذاك نحمل أعباء إضافية، فكأن الظروف الصادمة لا تكفي لتكون ظالمًا وحكمًا. فالفراق، كيفما كان، مُرّ. يقول عنترة بن شداد:
لحى اللهُ الفراقَ ولا رعاهُ
فكم قد شكَّ قلبيَ بالنبالِ
أقاتلُ كُـل جبارٍ عنيدٍ
ويقتلني الفراقُ بلا قتالِ
تتجاوز هذا الظرف أو ذاك، وتقول في نفسك: سأدوس على أشواكها، وإن أدمت قدماي. فبعض الألم أحيانًا يكون كاللقاح، فتصادم الألم مع بعضه قد يولد من ذلك قوة، كما يقول الشاعر: وداوها بالتي كانت هي الداء.
وليس الفراق هو الهم الوحيد، فهناك من تقسو عليه الحياة، بأنه يريد أن يفعل كل شيء لإسعاد من يحب، وبالطبع للأسرة الأولوية، فما الحب إلا للحبيب الأول. لكن تمشي في مناكبها التي تستعصي عليك، وتنظر في عيون من تحب، وتجد الدمعة تغالب الصبر وإظهار أن كل شيء تمام التمام. وتلحظ تلك الدمعة من أحدهم، وهو أو هي يحاول إخفاءها بطرف إصبعه حتى لا تنتبه لها. ولكن هيهات، فقلبك دليلك قبل عينك، التي أيضًا تظهر أنك لم تر، ولكن بينهما صمت يحكي: أعلم وأُقدّر، ولكن بعدم إظهار ذلك أتجمل. يقول قيس بن الملوح:
أَرى في وَجهِكَ الآلامَ تَبدو
وَتَقرأُ في مَحاجِرِكَ الدُموعا
كَأَنَّكَ قَد غَرَستَ بِنَصلِ سَيفٍ
بِصَدرِكَ أَو حَمَلتَ بِهِ صُدوعا
أما الخذلان، فهو طعنة نجلاء في قلب نقي رهيف… فحين يأتي الألم من القريب أو الصديق، هو وجعٌ آخر. ربما هو قد يكون متوقعًا ممن كان بينك وبينه إرث عدم تفاهم، أو حكايات نهايتها لم تكن على ما تحب. ولكن تفاجأ به؛ لأنه ممن أحسنت إليه، وكنت حاضرًا كلما اشتدت آلامه، وغلبته هموم، أو عز عليه المال في وقت حاسم، فقلت: أنا لها. ومن ثم ذاك وجه الضيف، بل جافاك، بل ربما لم تسلم من ثرثرات لسانه، ويرميك بالذي ليس فيك، وكما يقوله المثل: رمتني بدائها وانسلت.
وبينما كنت تظن أن المسافة التي بينكم أمان… بحكم العشرة، والذي كان كان، تجدها “كان يا ما كان”.
فتتعلم، وتعيد ترتيب نفسك من الداخل، أن بعض الدروس لا تأتي من الذين اختلفت معهم أو لم ترتح لهم، بل في الكثير من الأحيان ممن وثقت بهم .
: وتظن أن بيت الود بينك وبينهم عامرٌ
يقول عتبة بن ربيعة. وَرُبَّ أَخٍ نَادَيْتُهُ فَأَجَابَنِي
وَقَدْ غَابَ عَنِّي الأَقْرَبُونَ الأَواصِرُ
أَرَى كُلَّ قُرْبَى لَا تُقَرِّبُ مِنْ تُقًى
وَلَا مَكْرُمَاتٍ فَهِيَ رِيحٌ تَزَافِرُ
نُجيد الهروب بالانشغال،
نملأ فراغنا بالكلام،
وبالضحك المصنوع،
وبالانتصار على أنفسنا أمام الآخرين.
ونستعين عليها بالصبر الذي يستهلك صاحبه بهدوء.
نُخفي الجراح كي لا تُرى في وجوهنا،
ونخاف أن يُثقل الأحباب ما وجدت صدورنا،
ونقلته ملامح وجوه قاومت الانكسار،
ولكن ثقل المعاناة ومساحتها… أين منها المفر؟ وهذا هو الحال.
لا تهزمنا المعاناة لأنها أقوى،
بل لأننا نُصرّ أن نحملها لوحدنا.
0




