المقالات

حين تُختزل كليات التربية… تختزل الجامعة نفسها

تُختبر قيمة الجامعات في لحظات التحول بقدرتها على إعادة تعريف وظائفها، لا بالتخلي عنها. ومن هذا المنطلق، فإن النظر إلى كليات التربية بوصفها عبئًا تنظيميًا يمكن التخلص منه، أو وحدة فقدت مبرر وجودها بعد توقف برامج إعداد المعلم، لا يعكس اجتهادًا إداريًا بقدر ما يكشف خللًا في تصور ماهية الجامعة.

فالجامعة ليست تجمعًا لتخصصات متجاورة، بل منظومة معرفية تتشكل حول سؤال حاكم: كيف يُنتج التعلم داخلها؟ وكل تصور يغفل هذا السؤال، أو يفصله عن بنيتها المؤسسية، يضعف قدرتها على التطور مهما بدا منضبطًا في منطقه المالي أو التنظيمي. ليست المسألة هنا في بقاء كلية أو زوالها، بل في طبيعة الفهم الذي تُدار به الجامعة.

وفي بعض الخطابات المتداولة داخل المجال الجامعي، تُختزل كليات التربية في صورة ساخرة. يُلمّح فيها إلى أنها أولى بأن تُربّى قبل أن تُربّي. هذه الصياغة، وإن بدت عابرة، تكشف مفارقة لافتة؛ إذ تتحول المعرفة التربوية—وهي أكثر مجالات المعرفة اتصالًا بفهم التعلم الإنساني—إلى موضوع للتهكم لا للفهم. وعند هذه النقطة، لا تعود الإشكالية في الكلية، بل في اللغة التي تُستخدم لوصفها، لأنها تعكس مستوى الإدراك لطبيعة هذا المجال. فحين تُقرأ التربية بمنطق الانطباع تُختزل، وحين تُقرأ بمنطق العلم يتسع مداها إلى حد إعادة تشكيل الجامعة من الداخل.

كليات التربية، في تجارب الجامعات المتقدمة، لم تُبنَ بوصفها مسارًا وظيفيًا ضيقًا، بل بوصفها الحاضنة التي تتشكل فيها المعرفة التي تضبط العلاقة بين التعليم والتعلم. ولهذا لم تُهمَّش، بل أُعيد توظيفها لتقود تطوير الممارسة التعليمية داخل الجامعة نفسها. فهي التي تتولى تأهيل عضو هيئة التدريس تربويًا، وتطوير أساليب التدريس، وتصميم الخبرة التعليمية، وبناء بيئات تعلم فاعلة. ومن ثم، فإن إضعافها لا يعني تقليص وحدة أكاديمية، بل يعني إضعاف القدرة الداخلية للجامعة على فهم التعلم وإدارته.

الخلل لا يكمن في كليات التربية، بل في معيار الحكم عليها. حين تُقاس قيمتها بمدى ارتباطها المباشر بسوق العمل التقليدي، فإننا لا نختزل دورها فحسب، بل نختزل مفهوم القيمة في الجامعة. فهل تُقاس الجامعة فقط بما تنتجه من وظائف، أم بما تبنيه من معرفة وقدرة على التعلم؟ من الذي يطوّر جودة التدريس الجامعي؟ من الذي يعيد بناء أدوات التقويم؟ من الذي يفسر نواتج التعلم ويكشف أسبابها؟ الإجابة عن هذه الأسئلة لا تقع خارج كليات التربية، بل في صميمها، لأنها المجال الذي ينتج هذه المعرفة ويمنحها إطارها التفسيري.

لقد تغير السؤال في الجامعات المتقدمة؛ لم يعد ماذا نُدرّس، بل كيف يتعلم الطالب. وعند هذا التحول، تنتقل كليات التربية من موقع طرفي إلى موقع حاكم، لأنها تمتلك الأدوات العلمية لتطوير التعليم الجامعي، وبناء المناهج القائمة على نواتج التعلم، وتصميم تقويم يكشف الأداء في سياقه، لا يكتفي بقياسه. وهي كذلك الذراع المؤسسية لتأهيل أعضاء هيئة التدريس، إذ لم يعد التميز العلمي في التخصص كافيًا لإنتاج تعلم فعّال ما لم يُدعَم بفهم تربوي عميق لطرائق التعلم.

إن أخطر ما في الطرح الذي يسعى إلى تهميش هذه الكليات أنه يغفل واقعًا استراتيجيًا لا يمكن تجاوزه: وجود أكثر من خمسمائة ألف معلم ومعلمة في الميدان التعليمي، جميعهم في حاجة مستمرة إلى تطوير مهني متقدم. هذا الرقم لا يمثل عبئًا على الجامعات، بل يمثل أكبر مجال منظم يمكن أن تقوده كليات التربية إذا أُعيد تعريف دورها. فالبرامج التنفيذية، والماجستيرات المهنية، والدبلومات المتقدمة، وبرامج التعلم المرن، كلها مسارات قادرة على تحويل هذه الكليات إلى محركات رئيسة للتعلم مدى الحياة، ومصادر مستدامة للقيمة العلمية والاقتصادية معًا.

إن تجاهل هذا البعد لا يُعد قصورًا في التقدير، بل تفويتًا لفرصة استراتيجية. فالجامعة التي تعجز عن استيعاب هذا الامتداد المهني، وتوظيفه ضمن برامجها، لا تخسر كلية، بل تخسر مجالًا كاملاً من مجالات تأثيرها. وفي المقابل، فإن الجامعات التي تدرك هذا التحول تعيد تموضع كليات التربية في قلب مشروعها المؤسسي، بوصفها الجهة القادرة على الربط بين المعرفة الأكاديمية والممارسة المهنية، وعلى نقل الجامعة من نموذج التعليم المحدود إلى نموذج التعلم المستمر.

وتتجلى المفارقة حين تتزامن الدعوة إلى تقليص كليات التربية مع تبني خطابات تركز على جودة التعليم، ونواتج التعلم، وكفاءة التدريس، والتقويم المبني على الأدلة. فهذه المجالات لا تقع على هامش كليات التربية، بل تشكل جوهر اختصاصها. ومن ثم، فإن السعي إلى تحقيق هذه الأهداف مع إضعاف الكليات التي تحمل أدواتها يمثل تناقضًا لا يمكن تجاوزه بالمعالجات التنظيمية.

إن الجامعة التي تسمح بأن تُختزل التربية إلى عبارة عابرة، لا تسيء إلى كلية بعينها، بل تكشف حدود فهمها للتعلم. أما الجامعة التي تدرك أن فهم التعلم شرط لتجويده، فهي التي تعيد بناء موقع هذا المجال داخلها بوصفه ركيزة لا يمكن التفريط بها. وعند هذه النقطة، لا تعود كليات التربية خيارًا تنظيميًا، بل معيارًا يكشف عمق الرؤية التي تُدار بها الجامعة، وحدود الأفق الذي تتحرك داخله.

• أستاذ القيادة التربوية
• المدير العام للتعليم بمنطقة مكة المكرمة الأسبق

# كليات_التربية

أ.د. أحمد بن محمد الزائدي

مدير إدارة التعليم بمنطقة مكة المكرمة سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى