
تابعت جلسة «تشكيل مستقبل السرد القصصي للعلامة التجارية»، التي أدارها الدكتور أيمن باجنيد ضمن المنتدى السعودي للإعلام 2026، والتي جمعت الأستاذ خالد طاش رئيس التسويق التنفيذي بمجموعة السعودية، والأستاذ أسامة النويصر نايب الرئيس الأول للتواصل المؤسسي والتسويق بطيران الرياض، في حوار مهني ثري عكس ملامح التنافس التسويقي بين الناقلين.
في البداية، لا بد من الإشادة بإدارة الدكتور باجنيد للحوار، والتي اتسمت بالهدوء والاحترافية، ونجحت في خلق مساحة تفاعلية كشفت الكثير من زوايا التفكير لدى الطرفين، كما أشكره على مشاركتي رابط الجلسة التي تابعتها كاملة.
لكن ما لفت الانتباه لم يكن فقط محتوى الطرح، بل طبيعة التنافس نفسها. فقد بدا واضحًا أن الجلسة تحولت — بشكل غير مباشر — إلى مواجهة تسويقية بين “السعودية” و“طيران الرياض”، حيث حاول كل طرف تثبيت سرديته الخاصة أمام الجمهور.
ومن خلال التفاعل، ظهر ثقل الخبرة لدى ممثل “السعودية”، الذي سعى — بذكاء مهني — إلى الضغط على ممثل “طيران الرياض” أثناء الإجابات، في محاولة لتوجيه النقاش أو تشتيت التركيز. ومع ذلك، يُحسب لممثل “طيران الرياض” هدوؤه العالي وقدرته على امتصاص هذا الضغط، وهو ما يعكس نضجًا مبكرًا في خطاب الناقل الجديد.
غير أن جوهر النقاش لم يكن في الأداء، بل في السردية التسويقية التي تبناها كل طرف.
فبينما ركّزت “السعودية” على العودة إلى الجذور التاريخية في هويتها البصرية، في محاولة لاستعادة الإرث وبناء رابط عاطفي مع الجمهور، يبرز تساؤل جوهري:
هل تكفي العودة إلى الماضي لصناعة ولاء في الحاضر؟
كنت أتمنى أن تتزامن هذه العودة مع مراجعة حقيقية لعناصر التجربة، وعلى رأسها أسعار التذاكر، التي أصبحت — في نظر شريحة واسعة من المسافرين — عاملًا طاردًا، دفع بعضهم للبحث عن خيارات بديلة، بل وحتى السفر عبر محطات خارجية للحصول على أسعار أقل للتنقل داخل المملكة.
ولم يعد أثر الأسعار مقتصرًا على التكلفة فقط، بل امتد ليطال نمط السفر ذاته، حيث بات كثير من المسافرين يلجأون إلى الرحلات المتأخرة ليلًا أو ساعات الفجر هربًا من ارتفاع الأسعار، في تجربة مرهقة تتطلب السهر أو الحرمان من النوم الكافي، وهو ما يحوّل الرحلة من خدمة مريحة إلى عبء إضافي على المسافر.
وهنا تتكشف المفارقة:
سردية الجذور لا تصمد وحدها أمام واقع الأسعار.
إن اللعب على الهوية التاريخية قد ينجح في إثارة العاطفة، لكنه لا يكفي لبناء ولاء مستدام، خاصة في ظل دخول لاعب جديد مثل “طيران الرياض”، الذي يحمل فكرًا حديثًا ورؤية مختلفة.
ورغم الحضور اللافت للناقل الجديد، إلا أن التحدي الحقيقي لن يكون في الخطاب أو الوعود، بل في خياراته التشغيلية. فالسؤال الذي يفرض نفسه:
هل سيراهن على السوق الداخلي ويعيد ضبط معادلة الأسعار، أم سيتجه نحو الرحلات الدولية التي بدأها من لندن، على حساب المسافر المحلي؟
فأي تكرار للنموذج الحالي — مهما اختلفت هويته — سيُبقي المسافر عالقًا بين جذور الماضي وتطلعات المستقبل.
فالمسافر اليوم لا يشتري الشعار… بل يشتري التجربة،
ولا يبحث عن هوية تُشعره بالفخر فقط… بل عن تجربة تُشعره بالإنصاف.
ختامًا
بين سردية الجذور، وسردية الرؤية، يبقى المسافر هو الحكم الحقيقي… لا بالشعارات فقط، بل بما يدفعه، وما يجده، وما يشعر به في نهاية الرحلة.
فالسوق لا يكافئ الأقدم… ولا الأحدث… بل الأكثر إنصافًا.


