
وأنا أتأمل سلوك بعض الموظفين، أشفقت أحيانًا من ثقل المسؤولية التي يحملونها، حين تشعرك تصرفاتهم بأن حجم المنصب أكبر من قدراتهم، وأن المهام التي أُسندت إليهم تتجاوز إمكانياتهم الحقيقية، حتى أصبح شخير بعضهم أعلى من تقييم الأداء!
ولهذا تبقى نظرة المسؤول إلى فريقه مسألة دقيقة لا تحتمل المجاملة؛ فاختيار الأشخاص لا يجب أن يُبنى على السيرة الذاتية وحدها، بل على جلسات استماع للخطط والأهداف، واختبارات موقف تكشف طريقة التفكير، والقدرة على التواصل، ومستوى الاتزان تحت الضغط.
القيادة يا سادة ليست شهادة، ولا سنوات خبرة تُكتب في السيرة الذاتية، بل قدرة على التأثير، وصناعة القرار، وفهم البشر.
وتظل الكاريزما عنصرًا بالغ الأهمية لدى القائد؛ فهي مهارة في بناء الثقة، وتحريك الطاقات، وخلق الإلهام داخل الفريق.
ومن يتأمل في حياتنا اليومية يجد أن الميدان مليء بنماذج تؤكد ذلك؛ فكم من صاحب مؤهل عالٍ يفتقد أبسط أدوات التواصل، وكم من خبير أوشك على التقاعد بقيت علاقته بالآخرين “محلك راوح”، لأنه لم يدرك أن القيادة تبدأ من روح الإنسان قبل تطبيق النظام.
بعض القياديين يكشفهم أول اختبار؛ فتكتشف أن أقصى ما يناسبهم وظيفة “سكرتير مع مرتبة الشرف”، لأن الإدارة ليست «تنبيشًا» في الملفات، ولا توقيعًا على المعاملات، بل قراءة للمواقف، وفهمًا للناس، وقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط.
وتتعاظم المشكلة حين يكون ذلك القائد في موقع يعتمد أساسًا على العلاقات العامة أو التواصل المحلي والدولي؛ فهذا النوع غالبًا يجيد العمل التنفيذي الصامت أكثر من القيادة، التي تتطلب حضور وتأثير وبناء علاقات وثقة.
كما أن سلوك التوتر والقلق والانغلاق لا يبقى داخل المسؤول وحده، بل ينعكس تدريجيًا على المنظمة والعاملين فيها، فتتحول بيئة العمل إلى مساحة مرتبكة فاقدة للحيوية والمبادرة.
المشكلة ليست في وجود مثل هذه النماذج؛ فكل المؤسسات قد تمر بها، لكن السؤال الأعمق:
من يكتشفهم مبكرًا؟
ومن يملك شجاعة الاعتراف بأن بعض الأشخاص لا يناسبهم الكرسي القيادي مهما كانت شهاداتهم وخبراتهم؟
ختامًا، يظل سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نموذجًا استثنائيًا في القيادة الحديثة؛ قائد أعاد تعريف مفهوم المسؤولية والطموح وصناعة التحول، حتى أصبح مدرسة عملية لكل من يعمل معه. ومن لا يتعلم من هذه التجربة الاستثنائية… يخرج من باب الرؤية قبل أن يصل إلى أهدافها.





✍️جمعان البشيري
قرأتُ مقال الأستاذ رئيس تحرير صحيفة مكة «عقلية السكرتير على كرسي القيادة» فوجدتُ فيه قراءةً إدارية عميقة لواحدةٍ من أكثر الإشكالات التي تُربك المؤسسات: حين يُمنح الكرسي لمن يُجيد إدارة الورق… لا إدارة البشر.
وخلال مسيرتي العملية، تعاقبت عليّ شخصيات إدارية كثيرة؛ بعضهم يحمل أعلى الشهادات، وأثقل السير الذاتية، لكن الواقع كان يكشف أن النجاح الإداري لا يُقاس بعدد الدورات ولا بأختام الجامعات، بل بالقدرة على التأثير، وصناعة القرار، وخلق بيئة عمل تُلهم من حولها قبل أن تُصدر إليهم الأوامر.
فالقائد الحقيقي ليس من يُدير المكتب بصمتٍ بارد، بل من يمتلك الحضور، ويُحسن قراءة المواقف، ويتخذ القرار المناسب في اللحظات الحرجة بثقةٍ واتزان. ولهذا نجد أن أكثر القيادات نجاحًا هم أولئك الذين يتركون أثرًا في فرق العمل، لا مجرد توقيعٍ على المعاملات.
لقد أصاب الكاتب حين أشار إلى أن بعض الأشخاص قد ينجحون في الأعمال التنفيذية الدقيقة، لكنهم يتعثرون حين يصبح المطلوب منهم قيادة البشر، لأن القيادة في جوهرها فنّ احتواء، ووعي، وقدرة على صناعة الثقة قبل صناعة القرارات.
وحين نتأمل النموذج الاستثنائي لسمو سيدي الأمير محمد بن سلمان ـ حفظه الله ـ ندرك المعنى الحقيقي للقيادة الحديثة؛ قائدٌ استطاع أن يحوّل الطموح إلى مشروع وطن، وأن يدير الملفات الكبرى بحكمةٍ وحزمٍ ورؤيةٍ واضحة، حتى أصبحت تجربته الإدارية مدرسةً متكاملة في التأثير واتخاذ القرار وصناعة التحول.
مقال ثريّ يلامس الواقع الإداري بدقة، ويستحق أن يُقرأ بعقلٍ مفتوح بعيدًا عن المجاملات التي كثيرًا ما أوصلت بعض “السكرتارية” إلى كراسي القيادة.