الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: في رحلة الحياة، تنتاب الإنسان أحياناً لحظات من الحنين إلى الذكريات، لاسيما إذا امتلأت تلك الرحلة بالصدق وحب الناس، وهي نعمة عظيمة من المولى – عز وجل-، فالصدق مع الناس هو الساس المتين لأن تسود المحبة بينهم، فبالصدق تصفو القلوب، وبالوفاء بالوعود تتوثق الروابط، وبذلك نكون قد حققنا غاية الدين في بناء إنسان مستقيم ومجتمع مترابط.
وقد أفاض الله – تعالى- عليّ من رحمته وفضله بأن جعلني أنشأ في كنف أبي العزيز السيد/ محمود منصور علوي – رحمه الله- لأتشّرب منه الصدق مع الناس ونيل محبتهم، ليس فقط على المستوى الإنساني العام (الأهل والأقارب والجيران وزملاء الدراسة والعمل)، بل مع حجاج بيت الله الحرام، حيث كان والدي بحق “أيقونة الحج”، باذلاً سنوات طويلة من حياته في خدمة ضيوف الرحمن، وهو شرف عظيم لا يدانيه شرف.
وقد حقق أبي – رحمه الله- سمعة طيبة وقفزات كبيرة في تلك المهنة العظيمة، إذ كان أحد مؤسسي المؤسسة الأهلية لمطوفي حجاج الدول الإفريقية غير العربية (شركة إثراء الضيافة القابضة حالياً) عام 1403هـ، ثم تولى – رحمه الله- رئاسة مجلس إدارة المؤسسة في الفترة ما بين عامي (1405 – 1413)هـ، ثم مستشاراً لرئيس مجلس الإدارة المؤسسة لمدة ثلاث سنوات (14-15-1416هـ).
وقد قيض الله – تعالى- ليّ أن أسير على درب أبي العزيز في صدقه مع الناس ومحبته لهم ومحبتهم له.. من ناحية، والارتباط بشعيرة الحج العظيمة طوال مشواري مع الحياة .. من ناحية أخرى، حيث لم أتشّرب فقط حب مهنة الطوافة من الوالد، بل ارتبطت بالعمل في رحاب الحج منذ تخرجي من قسم الإعلام بجامعة أم القرى إذ التحقت بالعمل الوظيفي في وزارة الحج والأوقاف في عهد الوالد معالي الشيخ د. عبد الوهاب عبد الواسع – رحمه الله-، وكان رجلاً قلّ أن يجود الزمان بمثله من الفضل والخُلق والكفاءة العملية، فتعلمت منه الكثير، وسافرت معه في جولاته المتعددة خارج المملكة.
وقد عاصرت خلال رحلتي العملية بأروقة وزارة الحج والعمرة – والتي تجاوزت الـ (35) عاماً- العديد من الوزراء الأفاضل بعد الشيخ عبد الوهاب عبد الواسع، وهم بالترتيب الزمني أصحاب المعالي: د. محمود سفر(في زمن توليه الوزارة تحول اسمها إلى “وزارة الحج)- السيد/ إياد مدني- د. فؤاد فارسي- د. بندر حجار- معالي الأخ الحبيب د. محمد صالح بنتن (في زمن توليه الوزارة تحول اسمها إلى “وزارة الحج والعمرة”).
وأثناء تلك الرحلة الطويلة أيضاً تتلمذت على يد الأخ العزيز والقدوة الأستاذ/ حاتم قاضي .. وكيل الوزارة الأسبق.. حيث عملت مديراً لمكتبه لمدة (11) عاماً متتالية، وكذلك الصديق الصدق الأستاذ/ عادل بالخير وكيل الوزارة المساعد لشؤون العمرة الأسبق.
وخلال السنوات الـ (35) التي عشتها في أروقة وزارة الحج والعمرة، تعملت الكثير من الجهابذة المتميزين واكتسبت العديد من الخبرات الادارية والعملية في جميع المجالات بدون استثناء لتقديم أفضل الخدمات لحجاج بيت الله الحرام، كما عشت لنحو 4 سنوات في قطاع شركات تقديم الخدمة لضيوف الرحمن رأيت فيها العجب العجاب؟!!.
وخلال تلك السنوات الطويلة أيضاً، تشرفت بتبوأ العديد من المناصب المهمة داخل الوزارة، ومنها المناصب التالية: أمين عام لمركز تدريب العاملين- مدير عام التطوير الإداري- مدير عام شؤون الموظفين- مدير عام حجاج الداخل، وأخيراً.. المشرف العام على مراكز التفويج والتوجيه بوزارة الحج والعمرة.
كما تخلل عملي بالوزارة طوال تلك السنوات إسهامي بمجموعة من الإنجازات العملية، ومنها: العمل على استحداث إدارة دورها الإشراف على مراكز التوجيه والتفويج بوزارة الحج والعمرة، وكذلك العمل على إنشاء مراكز تدريب مؤسسات ارباب الطوائف، إضافةً إلى العمل على تطوير مجلة الحج والعمرة، فضلاً عن المشاركة الفعالة في اللجان الإعلامية في الحج.
ومن ناحية أخرى، ارتبطت بالعمل الصحفي بالوزارة عبر مجلة “الحج والعمرة”، والتي بدأت بها محرراً، ثم تقلدت – بعد فترة- منصب مدير تحرير المجلة لما يزيد عن (20) عاماً متواصلة، صاحبت خلالها عدد من رؤساء التحرير المميزين، ومنهم الأساتذة الكبار: د.مصطفى عبد الواحد- محمد عبده الألمعي- عبد الله بوقس- أحمد محمد جمال- د. عاصم حمدان.. الأكاديمي والأديب والكاتب الصحفي والذي كان مثالاً في الأخلاق والطيبة والكفاءة المهنية- أ. حسين بافقيه.. الناقد والأديب والكاتب الصحفي اللامع.
وعلى الجانب الآخر، لم تنقطع صلتي بالطوافة وخدمة حجاج بيت الله الحرام، حيث نجحت – بفضل الله ثم بثقة المساهمين- في عضوية مجلس إدارة شركة إثراء الضيافة القابضة (شركة مطوفي حجاج الدول الأفريقية غير العربية سابقاً).
وخلال العامين الماضيين (1445- 1446هـ)، أقمت بشكل شبه كامل – مع العودة لمكة بشهر رمضان المبارك وبالعيدين- بالقاهرة في أحضان “مصر المحروسة” بأهلها وبأزهرها وأرضها الطيبة، حيث تحيطني بها كوكبة من أنبل وأروع الأخوة والأصدقاء الأفاضل من علماء وأساتذة الأزهر الشريف، ومنهم: معالي مفتي عام مصر د. نظير عياد، وسعادة أ. د. محمد الضويني.. وكيل الأزهر الشريف، والصديق الحبيب أ. د. محمد محمود أبو هاشم.. عضو مجمع البحوث الإسلامية وأستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، وغيرهم من الأحبة الذين أتشرف بهم وبأخوتهم وبصداقتهم بمصر الحبيبة.
وأخيراً.. أتوجه بخالص الشكر والتقدير لكافة زملائي الأعزاء أعضاء مجلس إدارة شركة أثراء الضيافة القابضة المنتهية دورته مؤخراً على جهودهم المميزة خلال السنوات الأربع الماضية. كما أتوجه بخالص التهنئة لأعضاء مجلس الإدارة الجديد متمنياً لهم التوفيق والسداد، وهو المجلس الذي يضم الأساتذة: رامي صالح لبني- ماهر حسن علوي- منصور محمد علوي- محمود خالد أبو خشبة- بندر فهد خياط- محمد منير أبو السعود- إيمان يحي كردي- محمد برهان سيف الدين.
ختاماً.. إذا كانت بالحياة بعض المنغصات، فإن لطف الله ورحمته ثم سيادة المحبة بين الناس مما يكفل لنا أن نواصل رحلتنا على هذه الأرض، وصدق الشاعر حين قال: ” كم مر عُسر سقمنا من مرارته// والله قدر يُسراً في خباياه”.
• كاتب صحفي






