المقالات

هل أطَال النوم عمرًا؟

زمان يا نوم…
عندما كنا أطفالًا، ويا دوب نضع رؤوسنا على المخدة، إلا والشخرة سبقت غفوة العين والنفس. ولو كنت أعي حينها، لدندنت بعد ما أصحو، أو أثناء حلمٍ هنيء (الذي أصبح من الأماني في هذه الأيام)، فأُغني بما قاله المتنبي:
أَنَامُ مِلْءَ جُفُونِي عَنْ شَوَارِدِهَا
وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرَّاهَا وَيَخْتَصمُ.
ولكن كبرنا، وحبة حبة بدأ النوم يتعزز علينا…
مرات يقل، ومرات يجعلنا من محاولاتنا أن ننام—ومن جفوه وعصيانه—نمل.
فما لنا إلا أن نقوم، شئنا أم أبينا، لنمشي في مناكبها… وكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له.
مضت بنا الحياة، والناس بين ثلاثة أجناس من وعثاء السهر، أو جعله هو النديم الحميم، والعشيق، والرفيق.
وهنا، ليس العشق دائمًا هو الحب بين قيس وليلى، بل العشق بتعدد مفرداته؛ يطال أحيانًا، ويبتعد أحيانًا أخرى عن بعض مناحي حياتنا. فلا عشق دائم، ولا جانب من العشق هو الطاغي… ولكن يظل السهر هو العنوان الذي لا يُغلق ولا يتغير.
فغنت أم كلثوم، على لسان عمر الخيام، بإحساس وترجمة أحمد رامي:
أفِقْ خفيفَ الظلِّ هذا السحرُ
نادى: دعِ النومَ وناغِ الوترَ
فما أطالَ النومُ عمرًا
ولا قَصَرَ في الأعمارِ طولُ السهر
وحار الواقع بين من يريد أن ينام فيُتعبه السهر، ومن يريد أن يسهر فيُغالبه النوم… فما نيل المطالب بالتمني.
ويقول من أرق، على لسان المتنبي:
أَرَقٌ على أَرَقٍ ومثلي يَأرَقُ
وَجَوىً يَزيدُ وعَبرةٌ تَتَرقرقُ
جُهدُ الصبابةِ أن تكونَ كما أرى
عينٌ مُسَهَّدةٌ وقلبٌ يَخفقُ
وهكذا، فمن سهر لم يقصر عمره، ومن توسد المخدة وأغرق في نومه لم يطل عمره… ولكن هكذا نحن البشر، نبحث عن المفقود دائمًا.
ونعود لتفاصيل السهر، وما حُمل ليكون هو القاسم المشترك في تفاصيل الحياة.
فالسهر ليس حالة واحدة… ولا مزاجًا عابرًا كما يظنه البعض. السهر عوالم، وكل عالم له ناسه.
والليل ما يحلا إلا بجلاسه، والقلب ما يسلا… أهل الهوى وناسه.
فهم من يفهمون لماذا يهربون من النوم، وكأنه خصم يجب هزيمته قبل الفجر. فكما قلت في صدر المقال السهر ثلاثة أجناس…
فهناك سهر العشاق…
ذاك الذي لا يُقاس بالساعات، بل بالدقات. دقات قلب تتسارع كلما تأخر الرد، وكلما طلت علامة “يكتب…”.
سهرٌ تصبح فيه النجوم شهودًا، والقمر طرفًا ثالثًا في محادثة لا تنتهي.
العاشق لا يسهر لأنه لا يريد النوم… بل لأنه يخشى أن ينام، فيفقد لحظة، أو كلمة، جاءت متأخرة ولكنها كافية لتصنع صباحًا جميلا كامل الدسم . فكم أشقى هذا السهر، وكم أسعد.
وهناك سهرٌ آخر… أكثر هدوءًا، وأكثر قسوة.
سهر من يريد المجد.
ذاك الذي يجلس وحيدًا، لا قمر يواسيه، ولا هاتف يشاركه السكون… فقط طموح يدندن على أذنيه كلما حاول أن ينام.
هذا لا يسهر حبًا في السهر… بل خوفًا من أن يسبقه غيره، وأن تنام أفكاره وتصحو أفكار الآخرين.
الكتب عنده ليست أوراقًا، بل سلالم.
والقهوة ليست مشروبًا، بل اتفاقًا مؤقتًا مع النعاس:
“اصبر عليّ قليلًا… عندي حلم لم ينتهِ بعد.”
هذا النوع من السهر لا يُرى في الصور، ولا يُحكى في المجالس، لكنه يُترجم لاحقًا إلى إنجازات يتحدث عنها الجميع… دون أن يعرفوا كم ليلة دُفنت تحتها.
أما السهر الأخير … فهو سهر الفرفشة وحب الحياة.
ذاك الذي لا يبحث عن حب، ولا يطارد مجدًا، بل يريد فقط أن يقول للحياة: “أنا هنا… وسأستمتع بك كما أنتِ.”
ضحكات، أصدقاء، جلسات تمتد بلا سبب، وأحاديث تبدأ بلا معنى وتنتهي بلا نتيجة… لكنها تترك في القلب شيئًا خفيفًا، كنسمة هواء مرت ولم تُطلب.
هذا السهر لا يغير العالم… لكنه يُعيد ترتيب الداخل، يخفف ثقل الأيام، ويمنح الروح إجازة قصيرة من الجدية الزائدة.
وهنا، السؤال يحضر ليس: لماذا نسهر؟
بل: أي سهرٍ هذا الذي سرقنا الليلة؟
لأن الفرق كبير…
بين من يسهر ليحلم،
ومن يسهر ليتذكر،
ومن يسهر… فقط لأنه يحب الحياة.
قد نبدأ عمرنا بحنين،
ونمضي به بحلم،
وننهيه بضحكة… لا نعرف هل كانت حقيقية أم محاولة إنقاذ.
بينما الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا:
أن السهر ليس بطولة…
لكنه أحيانًا… الطريقة الوحيدة التي نتحمل بها أثقال النهار.
الواقع الذي لا نحب اليقين به ونهرب منه …لا السهر قَصَّرَ في الأعمار، ولا النومُ أطالها.
فعش كما أنت… فالحياة لا تتكرر مرتين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى