في حياة الكبار، لا تكون اللحظات عادية، بل مشبعة بالدلالات التي تتجاوز الخبر إلى المعنى. وفي سيرة الفنانة القديرة حياة الفهد، يتجدد الحديث لا بوصفها اسمًا فنيًا فحسب، بل كذاكرةٍ حيّة شكّلت وجدان الدراما الخليجية، ورافقت أجيالًا بصوتها وصدق حضورها.
لم تكن حياة الفهد مجرد ممثلة تعبر الشاشة، بل حالة إنسانية متكاملة؛ جسّدت المرأة الخليجية في تحوّلاتها، ونقلت تفاصيل المجتمع ببساطةٍ عميقة، ووعيٍ يتجاوز الأداء إلى التأثير. اختارت أدوارها بعناية، وقدّمتها بإحساسٍ صادق، حتى غدت أعمالها مرآةً لواقعٍ يراه الناس في أنفسهم.
ثمانية وسبعون عامًا لا تُختصر في رقم، بل تُقرأ كمسيرة امتلأت بالعطاء والتجربة والرسوخ. كل عملٍ كان امتدادًا لرحلةٍ لم تعرف التوقف، وكل ظهورٍ كان إضافةً في سجلٍ فنيّ لا يُمحى.
وتزداد اللحظة وقعًا حين تتقاطع نهاية المسيرة مع ذكرى البداية؛ مفارقةٌ تختصر فلسفة الحياة في مشهدٍ واحد، حيث يلتقي الميلاد والرحيل، وكأن الزمن يكتفي بدائرةٍ واحدة ليقول كلمته الأخيرة: لا شيء يبقى سوى الأثر.
ويبقى الأثر… في صوتٍ لم يخفت، ومشهدٍ لم يُنسَ، وذاكرةٍ لا تزال تستعيد حضورها كلما مرّ اسمها. تبقى حياة الفهد — لا كاسمٍ في سجل الفن، بل كقصةٍ مكتملة الفصول، سكنت الوجدان ولامست القلوب دون استئذان.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يُكتب الرثاء بقدر ما يُكتب الامتنان؛ امتنانٌ لمسيرةٍ من العطاء، ولحكاياتٍ شكّلت جزءًا من ذاكرة المجتمع، ولحضورٍ سيظل ممتدًا ما بقيت الحكاية
رحمكِ الله رحمةً واسعة يا أم سوزان..
مديرة إدارة الاستثمار – كلية الباحة الأهلية






