يجتمع قادة دول مجلس التعاون الخليجي اليوم في المملكة العربية السعودية في قمة استثنائية نتيجة للأحداث الجارية في المنطقة وتداعياتها على دول المجلس ، وكل التركيز على إعادة صياغة طريقة التعامل مع المستقبل.
فالقمة الخليجية اليوم ليست اجتماعاً عابر تدارس فيها الاجندة وتناقش فيه وجهات النظر على المستوى الخليجي، وانما لحظة مراجعة عميقة فيما يستحق ان نختلف عليه وماذا لا يملك ترف الانتظار ، لان الحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجاوزها هي ان المنطقة لم تعد تحتمل ترف الخلافات البينية ، في وقت تتكاثر فيه الازمات الكبرى وتتشابك الى حد يصعب فصله .
ما يحدث حول الخليج ليس ازمة بل سلسلة أزمات متداخلة ، تصعيد عسكري أداء الى نشوب حرب على ضفاف الخليج لم تنجو منه دولنا وضغوط اقتصادية وتحولات في موازين القوى وغموض في مآلات الصراع ، وفي مثل هذا المشهد تصبح الأولوية مختلفة ، ليس من يكسب الخلافات الصغيرة بل من يتجاوزها، وهنا تأتي قمة جدة كرسالة واضحة بان الخلافات لم تعد قضية بحد ذاتها بل عبئا استراتيجيا يجب تقليصه ، وليس بالضرورة انهائها بالكامل ولكن بإعادة تحجيمها ومنعها من التأثير على القضايا الكبرى .
القمة بهذا المعنى تجاوزت البحث في ماذا نفعل تجاه الازمات؟ بل في كيف تتحول خلافاتنا الى جزء من الازمة؟ ، وهنا تحول عميق لان إدارة الخلاف لم تعد شأنا داخليا بل أصبحت جزاء من الامن الجماعي للخليج ، فكل فجوة داخلية قد تتحول الى نقطة نفوذ خارجية وكل تباين غير مدار قد يستثمر في لحظة تصعيد.
ففي جدة اليوم يبدو ان المعادلة تتشكل على نحو مختلف :
• تقليل مساحات الخلاف الى الحد الأدنى
• رفع مستوى التنسيق في القضايا المصيرية
• توجيه الجهد الجماعي نحو الازمات الكبرى لا للتفاصيل الجانبية
ليس لان الخلافات انتهت بل لان الأولويات تغيرت
الرهان الحقيقي للقمة لا يمكن في اصدار بيانات موحدة بل في خلق قدرة جماعية على التركيز على ما يهدد الامن والاستقرار وعلى ما يمكن ان يعصف بالاقتصاد وعلى ما قد يعيد تشكيل المنطقة بطرق غير محسوبة ، وهنا يظهر البعد الأكثر نضجاً وهو الانتقال من إدارة الخلاف الى إدارة الأولويات .
ولكن الطريق ليس خاليا من التحديات ، فتباين المصالح سيبقى قائماً والضغوط الخارجية لن تتراجع والأزمات الإقليمية ستستمر في فرض ايقاعها السريع ، ومع ذلك فان مجرد ادراك ان الخلافات لم تعد اولوية بل عبئا يجب ضبطه فسوف تكون خطوة استراتيجية بحد ذاتها .
واخيراً جدة لا تستضيف قمة بل تؤسس لفكرة ، فكرة ان المرحلة القادمة لن تدار بمنطق ردود الأفعال ولا بمنطق التباينات الضيقة بل بمنطق توحيد الجهد حيث يجب ان يوحد، وتأجيل الخلاف حيث يجب ان يؤجل، في زمن تتسارع فيه الازمات وقد لا يكون الأهم هو من يتحدث اكثر بل من يعرف اين يضع تركيزه ومن يتجاوز ما يمكن تجاوزه.
شعوب الخليج اليوم لا تنتظر بيانات مطولة ولكن تبحث وتتطلع الى نتائج ملموسة
• استقرار يحمي مكتسباتها
• اقصاد يفتح فرص أوسع للأجيال القادمة
• تكامل حقيقي يتجاوز الحدود الشكلية
• موقف موحد يقي المنطقة من الانزلاق في صراعات مفتوحة
كلنا ثقة في قادة دول الخليج على قيادة سفينتنا الى بر الأمان
ودعواتنا لهم بالتوفيق والسداد
0






