لم تكن بورتسودان يومًا مجرد ميناء على البحر الأحمر، بل كانت مرآة لذوق أهلها، ونقطة التقاء بين البحر والناس، بين النظام والحياة. مدينة تُعرف بنظافتها، بشوارعها المرتبة، وبسلوك أهلها الذي كان يسبق القوانين. لكن ما يحدث اليوم يطرح سؤالًا مؤلمًا: متى فقدت المدينة ملامحها الأولى؟
ليس من باب الحنين، بل من باب المسؤولية، أن نقف أمام هذا المشهد. فالفوضى التي تتمدد في الطرقات، وتراكم النفايات في الأحياء، والتعدي على المباني التاريخية، ليست مجرد مظاهر عابرة، بل مؤشرات على غياب حسٍّ جماعي كان يومًا ما صمام أمان لهذه المدينة.
تشير تقارير بيئية عالمية، مثل بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (United Nations Environment Programme)، إلى أن المدن التي تفقد نظم إدارة النفايات الفعّالة تواجه تدهورًا سريعًا في الصحة العامة؛ إذ يتسبب سوء إدارة المخلفات في أكثر من 400 ألف حالة وفاة سنويًا حول العالم بسبب الأمراض المرتبطة بالتلوث. أما على مستوى السلوك المجتمعي، فتؤكد تجارب مدن عديدة أن 70% من نجاح حملات النظافة يعتمد على وعي السكان ومشاركتهم المباشرة، لا على الجهود الحكومية وحدها.
لكن الحقيقة التي لا ينبغي القفز فوقها أن جزءًا من أزمة عروس البحر الأحمر يعود إلى تقاعس واضح من الجهات المسؤولة. فحين تغيب الرقابة، وتُعطّل اللوائح، ويتأخر تنفيذ أبسط القرارات الداعمة لعمال النظافة، تتحول المدينة إلى مساحة مفتوحة للفوضى. كيف يمكن لفرق البلدية أن تقوم بدورها بكفاءة، وهي تفتقر أحيانًا إلى التنظيم أو المتابعة أو حتى المحاسبة؟ وكيف يُعقل أن تبدو بعض الجهات التنفيذية وكأنها “ضيف عابر” لا تعنيه صحة السكان ولا صورة المدينة، وهي التي يُفترض أن تقود المشهد وتضبط إيقاعه؟
إن غياب المساءلة يخلق بيئة خصبة للتراخي. والحديث هنا ليس للتجريح، بل لوضع الأمور في نصابها: لا إصلاح بلا محاسبة، ولا نظام بلا التزام. دعم عمال النظافة ليس شعارًا، بل سياسات واضحة، وموارد كافية، وإدارة حازمة تتابع وتُقيّم وتُحاسب عند التقصير. فالمدينة لا يمكن أن تُترك رهينة لدوامة الإهمال، ولا يجوز أن يعتاد الناس السير بين الأوساخ وكأن الأمر قدر محتوم.
بورتسودان اليوم ليست بحاجة إلى خطط معقدة بقدر حاجتها إلى استعادة روحها. إلى أن يعود “الحرص” قيمة يومية: أن يبدأ كل فرد من أمام منزله، من شارعه، من حيّه. أن تتحول المبادرات الصغيرة إلى موجة كبيرة؛ يوم للنظافة، ساعة للعمل الجماعي، حملة توعوية يقودها الشباب، ومشاركة حقيقية من النساء والأطفال. لأن المدينة لا تُبنى بقرارات فوقية، بل بعادات يومية متجذرة.
المعركة هنا ليست ضد الأوساخ فقط، بل ضد اللامبالاة… من المواطن، ومن المسؤول على حد سواء.
ضد فكرة أن “هذا ليس شأني”، لأن المدينة في النهاية ليست جهة حكومية، بل كائن حيّ يسكننا بقدر ما نسكنه.
يا أهل بورتسودان… وكل أحباب عروس البحر الأحمر من الزوار والنازحين، ليست هذه مناشدة عاطفية، بل نداء بقاء:
أنقذوا مدينتكم قبل أن تصبح مجرد ذكرى تُروى.
#سوا_بنقد






