المقالات

تأسيس التفكير الموضوعي

إن تأسيس التفكير الموضوعي قبل ستة وعشرين قرنا يمثل وثبة معرفية هائلة ولأن ذلك التأسيس كان سابقا لأوانه سبقا هائلا فقد تأخر تأثيره قرونا ….
تلك الوثبة الخارقة كانت السبب الأكبر لتطور الحضارة على النحو الذي شهدته وتشهده الدنيا وقد تحقق هذا التأسيس بواسطة اليوناني طاليس ….
طاليس هو أول فيلسوف يوناني فقد حاول التوصل إلى معرفة موضوعية لا تقوم على التوارث وإنما تقوم على المعاينة والمقارنة والملاحظة والاستقصاء والتأمل واستنطاق الواقع ….
لقد مثل طاليس قطيعة مع التوارث الجاري للأنساق الثقافية ذلك التوارث التلقائي الذي كان يتحكم بالعقل البشري وبذلك أحدث طاليس تحولا نوعيا في البناء المعرفي للجنس البشري بأجمعه …
إن هذا التأسيس هو الذي فتح المجال لظهور المعرفة الموضوعية وإلى نشأة العلوم على النحو الذي شهده العالم منذ أعمال كوبرنيكوس وجاليليو وديكارت ولوك ونيوتن ….
من الأخطاء أنه يجري تمجيد اليونانيين بشكل عام بينما أن الفلاسفة مجرد أفراد كانوا خارج النسق الثقافي لليونانيين وقد كان العامة يسخرون من الفلاسفة بل لقد طوردوا وتم إعدام سقراط فهذا التمجيد العام للليونانيين يتنافى مع الحقيقة …..
إن التفكير الفلسفي نشأ فرديا واستمر فرديا بل حتى في هذا العصر الذي عم فيه التعليم مازال التفكير الفلسفي فرديا وحتى أستاذ الفلسفة قد يكون مجرد ناقل معلومات فلسفية لكنه حين يكون خارج النطاق المهني يبقى محكوما بالنسق الثقافي الذي تطبع به …..
التراث الفلسفي كاد يضيع ويندثر لكن الحكام البطالمة وهم يونانيون حكموا مصر بعد غزوات الاسكندر المقدوني أولئك الحكام هم الذين حفظوا هذا التراث …..
أما أوروبا فقد بقيت خلال القرون الوسطى معادية للتفكير الفلسفي ولكن الهزات القوية التي نتجت عن سقوط القسطنطينية ثم اختراع المطبعة ثم مغامرة كولومبس وظهور مخترعات مثل البوصلة والمنظار والمجهر والساعة والبندقية والمدفع ثم حصول الثورة الصناعية كل هذه الأحداث المزلزلة هيأت أوروبا لعودة الفكر الفلسفي وقد جاء إليهم عن طريق الفلاسفة العرب من أمثال ابن رشد والرازي كل هذا قد أيقظ العقل الأوروبي فعاد إلى التفكير الفلسفي فظهرت الاكتشافات ثم استمر التوسع في إنشاء العلوم لكن فضل التأسيس للتفكير الموضوعي يعود لطاليس …..
من تلك البذور التي نثرها طاليس وهيروقليطس وبارمنيدس وبروتاجوراس وجورجياس واقليدس وديمقراطيس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وأرخميدس … هكذا نجد أن أفرادًا خارقين قد انفصلوا عن التفكير المتوارث السائد في اليونان وأبدعوا منهجا للتفكير الموضوعي وبذلك فتحوا الآفاق لهذه التطورات العلمية الهائلة وللتقدم الحضاري الذي امتد إلى كل الأمم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى