قد تكون المملكة العربية السعودية من الدول القليلة التي تدخل الملفات السياسية بوجه واحد. لا تعلن موقفًا في العلن ثم تتصرف بخلافه في الغرف المغلقة، ولا ترفع سقف الشعارات ثم تفاوض على حساب مبادئها. ولهذا بقيت مواقفها واضحة، تنطلق من قناعة ثابتة لا تتغير بتغير الظروف.
وفي كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لم تتبدل البوصلة السعودية. فالموقف المعلن هو نفسه الموقف في المحافل الدولية، وهو نفسه ما يُطرح في اللقاءات السياسية. فلا سلام دون قيام الدولة الفلسطينية، ولا تطبيع قبل حفظ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
ومنذ ظهور اتفاقيات أبراهام، برز اتجاهان في العالم العربي. الأول احترم ثبات الموقف السعودي، ورأى فيه حفاظًا على الحد الأدنى من الحقوق العربية. أما الثاني، فقد انشغل بمحاولة جرّ المملكة إلى المسار نفسه، لا بحثًا عن مصلحة فلسطينية، ولكن رغبة في تخفيف الحرج السياسي الذي يرافق خياراتهم والعار الذي يلازمهم . وكأن توقيع السعودية سيمنح الآخرين شهادة براءة من تبعات قراراتهم.
ومن هنا أتساءل: ماذا جنى العرب من ذلك التطبيع؟ هل توقفت الحروب؟ وهل تراجعت الأزمات؟ هل أصبحت المنطقة أكثر استقرارًا؟ أم أنها شهدت مزيدًا من الانقسامات، واتساع دوائر الصراع، واستمرار التدخلات التي غذّت الفوضى في أكثر من ساحة عربية؟
ويكفي النظر إلى أدوار بعض أطراف ذلك المسار في أزمات السودان واليمن، ليدرك المتابع أن التطبيع لم يجعلها أكثر حرصًا على الاستقرار العربي، بل منحها شعورًا متضخمًا بالنفوذ والقدرة على التدخل. بينما بقيت القضية الفلسطينية أكثر تعقيدًا، وبقي الشعب الفلسطيني يدفع الثمن.
ولهذا يظل الموقف السعودي مختلفًا؛ لأنه بُني على ثوابت سياسية أعلنتها المملكة مرارًا، ولم تتراجع عنها رغم الضغوط والمتغيرات.
وفي السياسة، كما في الحياة، قد يعلو الصوت حينًا، وقد يلمع المشهد لبعض الوقت، لكن البقاء للمواقف التي تصمد أمام اختبار الزمن. أما الدولة التي أغراها نفوذها المستجد، ودفعتها تحالفاتها إلى العبث في الساحات العربية، فأذكّرها بالمثل العربي: ما طار طائر وارتفع، إلا كما طار وقع.


