بناء الوعي المتحضر هو هدفٌ بالغ الصعوبة وتعترضه عقباتٌ شديدة الصلابة؛ فالإنسان تتحكم به السوابق وهو يَعتبر أن أي نقد لسوابقه هو تجريحٌ لا يقبله ولا يصغي إليه ….
إن خلق الوعي المتحضر مهمة صعبة التحقيق وكلما عظُم المطلوب تضاعفت تكاليفه أما إفساد الوعي فليس أسهل منه ….
إن عملا عظيما استغرق إنجازه سنوات طويلة من الإخلاص والاحتشاد والركض يمكن هدمه بإطلاق كلمة هدَّامة في مجلس فتتحول الكلمة إلى شائعة يتناقلها الجميع ثم تتحول إلى حقيقة من حقائق الوعي الاجتماعي فليس أسهل من تدمير الوعي العام وليس أخطر من هذا التدمير ….
إن تكوين الوعي المتحضر يتطلب أزمانا كما يتطلب وجود رؤية صحيحة ترافقها جهود منتظمة وكثيفة ومستمرة لتشييد الوعي برويَّة وعناية وانتظام واستمرار فخلق الوعي المتحضر يواجَه بمقاومة السوابق وهي شرسة وشديدة الرسوخ وعنيفة المقاومة ….
أما تحريض الناس على الأسوأ فإنه يجد الاستجابة العامة السريعة العارمة لانه يتفق مع الطبيعة البشرية المشحونة بالنقائص ….
يتوقف المؤرخ البريطاني الشهير نيل فرجسون في كتابه (الصنم) الذي صدر عام ٢٠٠٤ أمام سرعة استجابة الالمان لدعاوى هتلر وسرعة تشبعهم بالأيديولوجيا النازية وكيف أن هذه الاستجابة العامة العارمة قد أدت إلى اندلاع حرب عالمية وإزهاق خمسين مليونا من الناس وتحويل عشرات المدن إلى أنقاض ….
ويرى هذا المؤرخ بأن الفكر النازي قد أصاب الثقافة الألمانية بعطب يصعب البرء منه ويعارض الذين يرون أن ألمانيا:
لابد أن تبرأ فهؤلاء المتفائلون يرون أن المجتمع الألماني على درجة رفيعة من التقدم والتجانس لكن هذه المقاربات تتجاهل فظاعة العطب الذي أصاب الثقافة الألمانية بواسطة إحدى أكثر الأيديولوجيات تطرفا في التاريخ ولا يبدو تحول ألمانيا أمرا سهلا ….
فلا تعميم التعليم ولا رسوخ الفكر الفلسفي حمى الألمان من الاندفاع خلف أيديولوجيا واضحة البطلان لكنها دغدغتْ المشاعر فاندفع الألمان مستجيبين لأفظع الأيديولوجيات وارتكبوا أبشع الفظائع ….
إن أصالة النقائص في الطبيعة البشرية تجعل الإنسان سريع الاستجابة للانحدار لكنه يقاوم الدعوة للارتقاء والصعود …..
إن على الجميع أن يتعرفوا على الطبيعة البشرية ليكونوا قادرين على كبح الشر وفعل الخير
0




