كتاب الرأي

خرافة الإعلام الحربي.. من صوت العرب إلى صنعاء”

كان صوت أحمد سعيد يخرج من المذياع بنبرة لا تعرف التردد، يُسقط طائرة إسرائيلية كل دقيقتين، ويزحف بالجيوش العربية نحو تل أبيب، بينما كانت الدبابات الإسرائيلية في تلك اللحظة ذاتها تعبر سيناء بلا مقاومة تُذكر. صدّق الناس ما سمعوه لا لأنه كان معقولاً، بل لأنهم أرادوا أن يصدّقوه. وحين خفت صوت المذياع أخيراً، لم يكن هناك نصر يُعلَن، بل هزيمة لم يعرف حجمها الحقيقي إلا من عاش تفاصيلها بعيداً عن الميكروفون.
هذا المشهد لم يكن حادثة عابرة في تاريخ الإعلام العربي، بل نموذجاً تكرر بحذافيره أكثر من مرة، وكأن الأمة لم تتعلم من درسها الأول، أو لعلها تعلمته وفضّلت أن تنساه، لأن النسيان أهون على النفس من مواجهة الحقيقة. وقد تكرر التاريخ نفسه في بغداد بعد أكثر من ثلاثة عقود، حين وقف وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف أمام الكاميرات يومياً، يعلن أن “العلوج الأمريكان” يتلقون هزيمة تلو الأخرى على أبواب بغداد، بينما كانت الدبابات الأمريكية تدخل العاصمة فعلياً من الجهة الأخرى للمدينة في ساعات ذلك اليوم نفسه.
الفارق هذه المرة أن بدايات وسائل التواصل الاجتماعي كانت قد ظهرت، فانتشرت تصريحاته كمادة للسخرية عالمياً، لكنها في الوقت نفسه وجدت من يصدّقها ويطبّل لها داخلياً، بالحماسة العاطفية ذاتها التي رافقت صوت العرب قبل عقود. سقطت بغداد، ودُمّر جيشها وتفكك نسيجها الاجتماعي لسنوات طويلة وحتى اليوم ، بينما بقيت خطابات الصحاف علامة على المسافة الشاسعة بين ما يُقال وما يقع فعلاً على الأرض.
واليوم، اليمن يعيد المشهد نفسه بأدوات أحدث. فحين تستمع إلى القنوات الحوثية ومنصاتها الرقمية، تجد الخطاب ذاته يتكرر بحرفيته: السعودية “تحترق”، واقتصادها “على وشك الانهيار”، وجيشها “يتلقى الهزائم” في كل جبهة. والفارق هذه المرة أن الأدوات صارت أعقد وأخطر من مذياع أو مؤتمر صحفي، فالخوارزميات نفسها مصممة لتضخيم الإثارة لا الحقيقة، والمحتوى المزيّف ينتشر بسرعة تفوق قدرة العقل على التحقق منه. ومع ذلك، تجد من يصدّق، ويشارك، ويطبّل، بالحماسة العاطفية نفسها التي عرفتها الأجيال السابقة في 1967 وفي بغداد 2003.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بصدق: لماذا تسقط الأمة في الفخ ذاته مرة بعد مرة؟ الإجابة، في تقديري، ليست في نقص المعلومة، بل في غياب ثقافة التحقق، وفي عاطفة تسبق العقل دائماً، وفي رغبة دفينة لدى كثيرين في سماع ما يريدون تصديقه لا ما هو صحيح فعلاً. الهزيمة الحقيقية ليست في ميدان القتال وحده، بل في عقل يُفضّل الوهم المريح على الحقيقة المزعجة. وحين يتحول الإعلام إلى أداة تخدير جماهيري بدل أن يكون أداة وعي، تتحول الأمة كلها إلى جمهور يُصفّق لخسارته وهو لا يدري.
وبينما ينشغل الآخرون بحروب الميكروفونات، تخوض السعودية معركة من نوع مختلف تماماً، لا تُقاس بعدد الطائرات المُسقَطة في الخطاب، بل بعدد المدارس التي تُبنى، والمدن التي تُطوَّر، والإنسان الذي يُستثمر فيه بوصفه الثروة الحقيقية الوحيدة التي لا تنضب. هذه حرب البناء والتنمية، حرب لا تُعلن انتصاراتها عبر مذيعين متحمسين، بل تُقاس بمؤشرات تنموية حقيقية، وبإنسان يتعلم ويعمل وينتج، وبمكان يتغير أمام عين من يزوره كل بضع سنوات فلا يكاد يتعرف عليه.
هذه المعركة لا تنافس فيها المملكة أحداً سوى نفسها وسقوفها الزمنية التي رسمتها لتحقيق التزاماتها التنموية، سباقاً مع الزمن لا مع خصم، لأن الخصم الحقيقي في هذه المرحلة هو التأخر لا العدو المُتخيَّل الذي يُختلَق كل يوم في نشرة إخبارية.
فليحذر كل سعود و عربي و مسلم من صوت مرجف جديد يتكرر بثوب مختلف، فالمرجفون لم يتغيروا منذ 1967، تغيرت فقط أدواتهم ووسائلهم. وليطمئن كل من يريد الحقيقة أن السعودية ماضية في بنائها بخطى ثابتة، لا تلتفت لضجيج لا يصنع مدرسة ولا يبني مستشفى ولا يُخرّج جيلاً قادراً على المنافسة، لأن التاريخ في النهاية لا يُقاس بما قيل عنه، بل بما بُني فيه فعلاً.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى