المقالات

هل فشل الزواج أم فشلت توقعاتنا عنه؟… مقاربة سوسيولوجية لأزمة التوقعات في العلاقات المعاصرة

في كل جيل، يتجدد لدينا الانطباع بأن الزواج قد أصبح أصعب من ذي قبل، وأن العلاقات المعاصرة لم تعد تحتمل الضغوطات التي كانت تتجاوزها الأجيال السابقة بيسر وسهولة. غير أن السؤال السوسيولوجي الأكثر إلحاحاً هنا ليس حول مدى صعوبة الزواج في حد ذاته، بل حول ما إذا كان الزواج قد تغير بنيوياً، أم أن سقف توقعاتنا منه هو الذي تبدل وتضخم.

لو عدنا خطوة إلى الوراء، للاحظنا أن الزواج في المجتمعات التقليدية كان يمثل مؤسسة اجتماعية واضحة المعالم وصارمة البناء. وهنا يمكن استدعاء أفكار إميل دوركايم لفهم الدور التنظيمي الذي كانت تؤديه هذه المؤسسة؛ فقد أكد دوركايم على أهمية المعايير الاجتماعية في ضبط تطلعات الأفراد وحمايتهم من حالة “اللامعيارية” أو الأنومي. فحين تكون الأدوار والواجبات مرسومة سلفاً من قبل البناء الاجتماعي، ينجو الفرد من شتات التوقعات اللامتناهية، ويتحقق الاستقرار عبر إطار واضح يحدد الحقوق والمسؤوليات المتبادلة، دون أن يُنتظر من الشريك أن يكون مصدراً وحيداً للإشباع العاطفي أو لتحقيق الذات.

أما اليوم، فقد شهدت العلاقات الزوجية تحولات عميقة نتيجة المتغيرات الثقافية والاقتصادية والتقنية المتسارعة، حيث أصبحت المعايير التي كانت توجه الحياة الأسرية أقل وضوحاً، مما منح الأفراد مساحة أكبر لاختيار أنماط حياتهم، لكنه في الوقت ذاته ألقى على عاتقهم مسؤولية صياغة قواعد علاقاتهم الخاصة من نقطة الصفر.

وفي هذا التحول البنيوي، يقدم لنا أنتوني غيدنز مفهوم “العلاقة النقية” لتفسير طبيعة الروابط الحديثة؛ وهي العلاقة التي تستند تماماً إلى الرضا العاطفي والنفسي المتبادل، وتستمر فقط طالما ظلت قادرة على تلبية احتياجات الطرفين وتوقعاتهما. هذا المفهوم يسلط الضوء على كيف أصبح البعد العاطفي والتحقق الذاتي يحتلان مكانة مركزية في تقييم نجاح الزواج المعاصر واستمراره.

ومن هذه النقطة بالذات، تفجرت أزمة التوقعات.

فالمجتمعات الحديثة لم ترفع سقف الطموحات المهنية والمادية فحسب، بل رفعت أيضاً سقف التوقعات العاطفية إلى مستويات تلامس الخيال. وجاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتعمق هذه الفجوة عبر تقديم نماذج مثالية للحياة الزوجية، تُبرز اللحظات الحالمة وتُقصي تفاصيل الحياة اليومية وضغوطها الواقعية. ومع مرور الوقت، تشكل في الوعي الجمعي تصور غير واقعي عن “الزواج الناجح”، حتى أصبح الخلاف الطبيعي العابر يُفسَّر على أنه دليل على سوء الاختيار، وتحولت المشكلات اليومية إلى مؤشر على فشل العلاقة أو تراجعها.

ومن نتائج التحولات الاجتماعية المعاصرة أن الأدوار الزوجية لم تعد محددة بالوضوح الذي كانت عليه في المجتمعات التقليدية، بل أصبحت أكثر مرونة وتفاوضاً بين الشريكين. وقد أدى ذلك إلى اتساع دائرة التوقعات المتبادلة، بحيث لم يعد النجاح الزوجي يُقاس بالوفاء بالأدوار التقليدية فحسب، بل بقدرة الطرفين على تحقيق التوازن بين المسؤوليات الاقتصادية والعاطفية والأسرية في آن واحد.

وفي ظل هذا التحول، أصبح كل من الزوجين مطالباً بمجموعة واسعة من الأدوار والمهارات التي تتجاوز ما كان متوقعاً في السابق؛ فالعلاقة الحديثة لا تكتفي بالاستقرار المادي أو الالتزام الاجتماعي، وإنما تتطلب أيضاً قدراً مرتفعاً من التواصل العاطفي والتفاهم النفسي والتعاون المستمر. وهذا التوسع في متطلبات العلاقة يجعل إدارة التوقعات أكثر تعقيداً، ويزيد من احتمالية ظهور التوترات عندما تتجاوز تلك التوقعات حدود الإمكانات الواقعية للأفراد والعلاقات.

إن الكثير من حالات الانفصال أو عدم الرضا الزوجي اليوم لا تنشأ بسبب غياب المشاعر أو ضعف الالتزام، بل بسبب اتساع الفجوة بين المتخيَّل والمعيش. فكلما ارتفع سقف ما ننتظره من العلاقة، زادت احتمالية الاصطدام بخيبة الأمل عند أول منعطف أو اختلاف طبيعي.

الزواج كمؤسسة لم يفشل، وإنما تغيرت المقاييس التي نحكم من خلالها عليه. ففي الماضي، كان النجاح يعني الاستقرار والامتثال للمجموع والاستمرارية، أما اليوم، فقد رُبط بالرفاه العاطفي الفردي. وهي وإن كانت أهدافاً مشروعة في عصر الفردانية، إلا أنها تصبح مرهقة حين تُحمَّل العلاقة الزوجية وحدها مسؤولية تلبية جميع الاحتياجات النفسية والوجودية للإنسان.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأسرة المعاصرة لا يكمن في هشاشة الروابط بقدر ما يكمن في عقلنة وإدارة التوقعات. فالشريك ليس مشروعاً للكمال، ولا يمكن لكائن بشري واحد أن يكون حلاً لكل أزمات الطرف الآخر النفسية والوجودية.

ويبقى السؤال معلقاً بحثاً عن إجابة: هل فشل الزواج فعلاً؟ أم أننا نطالبه اليوم بما يتجاوز طاقة البنية البشرية؟

إن القراءة السوسيولوجية المتأنية تخبرنا أن الزواج لا يمر بحالة انهيار، بقدر ما يمر بمرحلة إعادة تعريف عميقة لمعانيه ووظائفه الاجتماعية. فالتحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في ضعف الرغبة في بناء الأسرة، وإنما في صعوبة التوفيق بين التوقعات الفردية المتزايدة ومتطلبات الحياة الواقعية

د. بشرى الكلثم

دكتوراه علم اجتماع مدربه ومستشاره أسرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى