كتاب الرأي

السعودية التاسعة عالميًا… نهضة تسبق موعدها

ليس كل صعودٍ يُقاس بعدد السنوات، ولا كل نهضةٍ تحتاج إلى عقود حتى تُرى ملامحها. فبعض الأمم حين تمتلك الرؤية، والإرادة، والقيادة القادرة على تحويل الطموح إلى عمل، تستطيع أن تختصر الزمن، وأن تجعل المستقبل أقرب مما كان يتخيله الناس.

وتأتي المملكة العربية السعودية اليوم واحدةً من أبرز الأمثلة على ذلك.

تُظهر القائمة المنشورة في الصورة ترتيب أقوى عشر دول في العالم وفق مجموعة من عناصر القوة والتأثير، تشمل القوة الاقتصادية، والقدرات العسكرية، والنفوذ السياسي، والقيادة الدولية. وقد تصدرت الولايات المتحدة القائمة، تلتها الصين، ثم روسيا وألمانيا والمملكة المتحدة واليابان والهند وفرنسا، فيما جاءت المملكة العربية السعودية في المرتبة التاسعة عالميًا، بدرجة قوة بلغت 48.6، متقدمةً على كندا التي جاءت في المرتبة العاشرة.

واللافت هنا ليس الرقم وحده، وإنما المسافة التي قطعتها المملكة في زمن قصير.

فالسعودية التي نراها اليوم ليست السعودية التي كانت عليها قبل إطلاق رؤية السعودية 2030؛ إذ انتقلت خلال سنوات قليلة من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، ومن دولةٍ تُعرف بثقلها النفطي والديني إلى دولةٍ تتسع أدوارها الاقتصادية والاستثمارية والسياحية والثقافية والرياضية والتقنية على الساحة الدولية.

وقد أظهرت النتائج الرسمية للرؤية لعام 2025 أن النشاط غير النفطي أصبح يمثل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، مع نمو الإيرادات غير النفطية، وارتفاع الصادرات غير النفطية إلى مستويات قياسية، واتساع مشاركة القطاع الخاص، وتحسن القدرة التنافسية الدولية، إلى جانب تطور الخدمات الحكومية الرقمية وبيئة الاستثمار. كما دخلت الرؤية في عام 2026 مرحلتها الثالثة، التي تركز على ترسيخ المكتسبات وتعظيم العوائد وتعزيز القدرة على الصمود.

وهنا تكمن أهمية التجربة السعودية.

رؤية 2030 لم تكن مجرد خطة اقتصادية، بل مشروعًا لإعادة صياغة الدولة والمجتمع والاقتصاد.

ومنذ أن حمل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، مشروع الرؤية، أصبحت مفردات مثل التنويع الاقتصادي، وتمكين الشباب، والاستثمار، والسياحة، والصناعة، والتقنية، والذكاء الاصطناعي، وجودة الحياة، والثقافة، والرياضة، جزءًا من المشهد السعودي اليومي.

والأهم أن الرؤية لم تُبقَ في مستوى الشعارات؛ فقد ترجمت إلى برامج تنفيذية ومشروعات ومؤسسات، من بينها برامج التحول الوطني، وتطوير القطاع المالي، وصندوق الاستثمارات العامة، وتنمية القدرات البشرية، وتجربة الحاج، وجودة الحياة، والتخصيص، والتطوير الصناعي واللوجستي، وغيرها.

المملكة لا تنتظر 2030

ربما كان السؤال الأكثر إثارة اليوم: هل تحتاج السعودية فعلًا إلى انتظار عام 2030 حتى تصل إلى أهداف رؤيتها؟

الإجابة التي توحي بها المؤشرات المتراكمة هي أن كثيرًا من المستهدفات تحققت أو اقتربت من التحقق قبل الموعد المحدد، وأن الرؤية نفسها انتقلت إلى مرحلة جديدة في 2026؛ أي أن السنوات المتبقية حتى 2030 لم تعد مجرد سنوات للوصول، وإنما سنوات لتعميق الإنجاز والبناء على ما تحقق.

وهذا هو الفرق بين مشروعٍ ينتظر نهايته، ومشروعٍ يصنع نهايته وهو يسير.

لقد أصبحت المملكة تستثمر في الإنسان كما تستثمر في الأرض، وفي المعرفة كما تستثمر في المال، وفي التقنية كما تستثمر في الطاقة. وتتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه: صناعة، وسياحة، وثقافة، ورياضة، وتقنية، ولوجستيات، وطاقة متجددة، وتعدين، واستثمار، ومدن ومشروعات عملاقة.

ولذلك فإن صعود السعودية إلى قائمة أقوى عشر دول في العالم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد ترتيب دولي؛ بل باعتباره إشارة إلى التحول في مصادر القوة السعودية نفسها.

فالقوة اليوم لم تعد نفطًا فقط.

القوة اقتصاد متنوع، وإنسان متعلم، وشباب طموح، وتقنية متقدمة، ومؤسسات كفؤة، واستثمارات عالمية، وموقع جغرافي استثنائي، وثقل ديني وثقافي، وقدرة على التأثير وصناعة الفرص.

والأجمل أن هذا التحول يحدث في وطنٍ يحمل إرثًا تاريخيًا عظيمًا، لكنه لا يعيش على أمجاد الماضي؛ بل يحاول أن يصنع للمستقبل مجدًا جديدًا.

وقد عبّرت الرؤية عن ذلك في محاورها الثلاثة: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح؛ وهي محاور تتجاوز الاقتصاد إلى بناء دولة أكثر كفاءة، ومجتمع أكثر حيوية، واقتصاد أكثر تنوعًا.

من المركز التاسع إلى ما بعد 2030

المرتبة التاسعة ليست نهاية الطريق، وإنما محطة على طريق أطول.

فإذا كانت المملكة قد استطاعت خلال سنوات قليلة أن تنتقل إلى قائمة أقوى عشر دول في العالم، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا ستنجز السعودية بحلول 2030؟

بل أصبح: ماذا ستفعل السعودية بعد أن تصل إلى 2030؟

وهنا تتجلى قيمة الرؤية الحقيقية؛ فهي لم تكن موعدًا زمنيًا ينتهي بانتهاء التقويم، وإنما كانت بداية لعصر جديد.

وإذا كان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قد وضع مع قيادة المملكة اللبنات الأولى لهذا المشروع الطموح، فإن مسؤولية المحافظة على هذا الزخم وتطويره أصبحت مسؤولية جيل كامل؛ جيلٍ لم يعد يرى المستقبل حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا يُبنى أمام عينيه.

إن السعودية اليوم لا تسابق الزمن فحسب، بل تعيد تعريف علاقتها بالزمن.

وما كان يُعتقد أنه يحتاج إلى عقود، بدأت ملامحه تظهر خلال سنوات.

وما كان يُعد طموحًا بعيدًا، أصبح واقعًا يُرى في المدن والجامعات والمصانع والمطارات والمشروعات والاستثمارات، وفي التحول الكبير الذي طرأ على حياة الإنسان السعودي.

وهكذا، قد يكون عام 2030 موعدًا في التقويم، لكنه في التجربة السعودية ليس نهاية الحكاية؛ بل ربما يكون الفصل الذي يبدأ بعده فصلٌ أكبر.

فالأمم العظيمة لا تقاس فقط بالموقع الذي وصلت إليه، وإنما بالسرعة التي تصعد بها، وبالقدرة التي تمتلكها على مواصلة الصعود.

والسعودية، كما تقول مؤشرات حاضرها، تبدو وكأنها اختارت أن تصل إلى المستقبل قبل أن يحين موعده.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى