المقالات

المعرفة الافتراضية المؤسفة

حقيقة عجائب هذا الزمن كثيرة ولا تكاد تخلو من الغرابة والدهشة لدرجة أنك تشعر بالحيرة في التعامل مع بعض المواقف اليومية والأحداث المتتالية، وفي الٱخر تسلم للأمر الواقع وتساير الوضع الحالي. فما أنت إلا فرد في المجتمع يؤثر ويتأثر في كل ما يدور من حوله من وقائع، ولا بدّ من التفاعل المباشر ضمن إيقاع الحياة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر تتفاجأ بتواصل شخص ما معك ومن بيئتك المحيطة في أغلب الأحيان عبر برنامج الواتساب وتكون المعرفة بينكما سطحية في بداياتها فالرابط الوحيد بينكما تواجدكما مصادفة في مجموعة واحدة، وتكون على هيئة إرساله تغريدة له في X ويطالبك بمشاركة الرأي فيها، أو إعادة التغريدة أو بالإعجاب، أو من خلال خاطرة اجتماعية كتبها، وغيرها.

وينتظر منك ردة فعل حقيقية حول الموضوع المطروح، أو حتّى مجاملة ومع مرور الوقت تتعمق العلاقة ويتم التعارف الافتراضي ويعرف كل شخص الآخر تماماً سواء بالاسم، أو بالصورة، أو بأي طريقة أخرى فتكون الصداقة الافتراضية بينكما قد حصلت، بل وتعمقت بصورة كبيرة ولا يتبقى عليها إلا اللقاء المرتقب في المستقبل القريب.

وفي أقرب مناسبة اجتماعية تجمعكما وتواجه فيها هذا الشخص وبعد السلام عليه تتفاجأ بأنه متناسيك تماماً، بل وكأنه لا يعرفك، أو حتّى الرغبة في معرفتك..! وكأن لسان الواقع الحال يقول: عفواً المعرفة افتراضية ولها حدودها..!! ولا أعرف ما الفائدة إذاً من التواصل في الواتساب وطرح المشاركات في حينها، ووقت الرؤية مباشرةً وجه لوجه تذوب تلك المعرفة وكأن التواصل السابق ليس له أي معنى يذكر، بل هو وحي من الخيال.

وفي هذا الشأن يقول أحد الواقعين في هذه الظاهرة كنت على تواصل دائم مع شخص يملك أسلوب جيد في التواصل بطرح وجهة نظر جديرة بالاهتمام، وكانت لي مشاركات ومناقشات جيدة إلى حد ما في مجموعة واتساب، وهو كذلك وقد انتقل النقاش على الخاص وأصبحت صداقة “واتسابية”إن صح التعبير وفي أول لقاء يجمعنا وجه لوجه وبعد مصافحته لم يحاول مجرد التعرف علي، بل تجاهلتي تماماً..!

إن التقنية الحديثة من برامج الفيسبوك، والسناب شات، والتك توك، والانستقرام، وآخرها الذكاء الاصطناعي كلها من الوسائل المفيدة في حياة الإنسان إن تم استخدامها الاستخدام الأمثل في الحياة العامة، وكانت من العوامل المساعدة على الاتصال البناء مع الآخرين وهذا هو المفترض في توظيف التقنية في المجتمعات الإنسانية، لا أن تكون سبباً في التباعد غير المبرر بين الناس كافة .

إن من المؤكد أن المشاعر الحقيقية، والأحاسيس الصادقة لا تتبدل ولا تتغير سواء في العالم الحقيقي، أو كانت في العالم الافتراضي الذي طغى على أغلب لحظات حياتنا، فلا يُعقل أن يكون الإنسان الصادق في مكان بنهج وبطريقة، وفي مكان آخر بنهج وطريقة أخرى، ومن الأسوأ أن يحدثك هذا الشخص ويحثك ضمن نصائحه على الأخلاق والفضيلة وحسن التعارف للأسف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى