الحمد لله الذي جمع الكلمة ووحّد الصف، وجعل التعاون وحماية الأوطان من أسباب القوة والاستقرار. في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتداخل المصالح، وتتغير فيه موازين القوى، أصبحت الدول أكثر حاجة إلى تعزيز قدراتها وشراكاتها، والمحافظة على سيادتها ومصالح شعوبها، مع إبقاء أبواب الحوار والسلام مفتوحة.
لقد أثبتت الأحداث أن الدول لا تستطيع حماية مصالحها بالنيات الحسنة وحدها، وأن السلام المستدام يحتاج – بعد توفيق الله – إلى قوة تحميه، واقتصاد يسنده، وعلم وتقنية يطورانه، وعلاقات متوازنة تحفظ للدولة استقلال قرارها. كما أثبت التاريخ أن التفرق والضعف قد يفتحان المجال أمام التدخل في شؤون الدول أو التأثير في مصالحها ومقدراتها.
ومن هنا تأتي أهمية اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، التي جاءت بعد مسار من التنسيق والتشاور بين الدول الثلاث، وفي توقيتٍ مهم لتعزيز الأمن والاستقرار والتعاون الدفاعي.
وينبغي النظر إلى هذه الاتفاقية في إطار طبيعتها الدفاعية المعلنة، بعيداً عن اعتبارها موجهة ضد دولة أو طرف بعينه. فالهدف من الدفاع المشترك ليس البحث عن الحرب، وإنما تعزيز الردع وحماية السيادة والأمن والمصالح المشروعة، بما يقلل احتمالات الاعتداء ويوسع مساحة الحلول السياسية.
ومن أبرز ما تقوم عليه الاتفاقية اعتبار أي هجوم مسلح خارجي على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، وهو مبدأ يمنح الدفاع المشترك معنى عملياً، ويؤكد ترابط أمن الدول المشاركة. كما أنها لا تلغي الاتفاقيات القائمة للدول الثلاث مع دول أو منظمات أخرى، وإنما تضيف مساراً جديداً للتعاون.
ومن الجوانب المهمة أيضاً أن الاتفاقية مفتوحة أمام الدول الراغبة في الالتزام بمبادئها، وفي مقدمتها الاحترام المتبادل، والتعاون، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية؛ وهو ما يمنحها بعداً مستقبلياً يمكن أن يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار وبناء الثقة في المنطقة.
ولا ينبغي أن يتوقف التعاون عند حدود النصوص، بل يمكن أن يمتد إلى الإنذار المبكر، والدفاع الجوي والصاروخي، والأمن السيبراني، وتبادل المعلومات، والتدريب، وإدارة الأزمات، والصناعات الدفاعية، والبحث والتطوير، ونقل التقنية وتوطينها.
وتملك الدول الثلاث إمكانات يمكن أن تتكامل فيما بينها؛ فالمملكة تتمتع بمكانة إسلامية ودولية وثقل سياسي واقتصادي وتقدم في المجالات التقنية والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والمالية، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وتقنية متقدمة، وباكستان تمتلك خبرات عسكرية وعلمية وصناعية متراكمة. ويمكن لهذا التكامل، إذا بُني على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، أن يفتح آفاقاً أوسع في الصناعة والتقنية والبحث العلمي والاستثمار.
إن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تمثل خطوة مهمة يمكن البناء عليها، ليس بحثاً عن المواجهة، وإنما حمايةً للسلام وتعزيزاً للردع وصوناً للسيادة. فالقوة المسؤولة لا تتعارض مع السلام، بل قد تكون من أهم ضماناته.
وفي الختام، نحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم به على بلادنا من أمن واستقرار ووحدة كلمة، ثم الشكر والتقدير لسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله -، ولسيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله -، على ما يبذلانه من جهود عظيمة في خدمة الوطن والمواطن، وحماية مصالح المملكة، وخدمة الأمتين العربية والإسلامية، وتعزيز الأمن والسلام والاستقرار.
حفظ الله وطننا وقيادتنا وشعبنا، وأدام علينا نعمة الأمن والعزة والرخاء.






