مقدمة
لا يمكن فهم الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا بوصفه حدثاً عابراً أو استعراضاً سياسياً مؤقتاً؛ فهو امتداد طبيعي لتحولات عميقة في بنية الأمن الإقليمي، وتعبير عن إدراك متزايد لدى الدول الثلاث بأن الاعتماد على ضامن خارجي واحد لم يعد كافياً في عالم تتكاثر فيه الأزمات وتتراجع فيه مركزية التحالفات التقليدية. ومن ثم، لا ينبغي أن يُقرأ هذا التحالف بمنطق الشعارات، بل بمنطق الاستراتيجية: توازن مصالح، وردع، وتكامل قدرات، وإدارة مخاطر.
تقوم الفكرة المركزية في هذا المقال على أن الشراكة الثلاثية ليست بديلاً عن جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي، وليست إعلاناً لمشروع مذهبي أو أيديولوجي، بل صيغة دفاعية براغماتية تستند إلى تاريخ طويل من التعاون السعودي الباكستاني، وإلى نضج تركي جديد في قراءة الإقليم، وإلى حاجة مشتركة لبناء ردع جماعي مرن يحمي المصالح ولا يورط الدول في حروب غير محسوبة.
ولذلك، يبدو المدخل التاريخي ضرورياً لفهم هذا التحالف. فباكستان لم تتشكل كدولة عادية في جنوب آسيا، بل وُلدت في بيئة صراع وجودي مع الهند، وتحولت قضية كشمير والحروب المتكررة وسباق الردع النووي إلى جزء من وعيها الأمني العميق. وتركيا كذلك لم تخرج من القرن العشرين كدولة مستقرة الهوية والاتجاه، بل عاشت صراعاً طويلاً بين إرثها الإسلامي ومشروعها الجمهوري العلماني ومحاولاتها المستمرة للاندماج في أوروبا، قبل أن تدرك أن موقعها التاريخي والجغرافي يفرض عليها دوراً مستقلاً في الشرق الأوسط وآسيا والعالم الإسلامي.
من هذا المنظور، لا تبدو الشراكة الثلاثية مجرد رد فعل على أزمة آنية، بل نتيجة تراكب طويل بين ذاكرة باكستان الأمنية، وحاجة السعودية إلى تنويع مصادر الردع، وتحول تركيا من دولة تنتظر قبولاً أوروبياً مؤجلاً إلى قوة إقليمية تبني مجالها الحيوي بقدراتها الذاتية. فالتحالف هنا ليس لقاء مصالح طارئة فحسب، بل التقاء تجارب تاريخية مختلفة انتهت إلى قناعة واحدة: أن الأمن لا يُستعار، وأن الردع لا يُبنى بالكلام وحده.
أولاً: الجذور التاريخية للشراكة السعودية الباكستانية
منذ استقلال باكستان عام 1947م نشأت بينها وبين المملكة العربية السعودية علاقة ذات خصوصية سياسية ودينية وأمنية. فقد تشكلت هذه العلاقة على قاعدة مشتركة من الانتماء الإسلامي، لكنها لم تبقَ أسيرة الرمز الديني، بل تحولت تدريجياً إلى تعاون مؤسسي في مجالات الدفاع والتدريب والدعم الفني والعمالة والاقتصاد والطاقة. وكانت المملكة بالنسبة لباكستان عمقاً روحياً واقتصادياً، فيما مثّلت باكستان بالنسبة للمملكة شريكاً عسكرياً مهماً يمتلك كثافة بشرية وخبرة قتالية ومؤسسة عسكرية راسخة.
في ستينيات القرن العشرين برز التعاون العسكري بصورة أوضح، حيث أسهمت الخبرات الباكستانية في تدريب وتأهيل عناصر من القوات السعودية، كما ارتبط البلدان ببروتوكولات دفاعية وتعاون أمني طويل المدى. ثم ازداد هذا التعاون في الثمانينيات مع اتساع التدريب والمناورات وتبادل الخبرات، وصولاً إلى تحوله في العقود اللاحقة إلى علاقة استراتيجية أخذت بعداً أكثر وضوحاً مع اتفاقات الدفاع المتبادلة والتنسيق السياسي المتنامي.
وتزداد أهمية باكستان في الحساب السعودي لأنها دولة صنعت عقيدتها الأمنية في مواجهة اختلال بنيوي مع الهند. فمنذ التقسيم عام 1947م دخل البلدان في حروب وأزمات متكررة، وكان نزاع كشمير عنواناً دائماً لهذا التوتر. ثم أدى التفوق الهندي التقليدي، وتجربة الهند النووية الأولى عام 1974م، ثم اختبارات عام 1998م، إلى دفع باكستان نحو بناء قدرة نووية ردعية خاصة بها، اختبرتها علناً في مايو 1998م. وبذلك لم تعد باكستان مجرد دولة ذات جيش كبير، بل قوة ردع نووية تشكلت تجربتها تحت ضغط جيوسياسي شديد، وهو ما جعل علاقتها بالسعودية ذات بعد أعمق من التعاون العسكري التقليدي.
ولا يعني حضور السلاح النووي الباكستاني في خلفية هذا التحالف أن إسلام آباد تمنح مظلة نووية مفتوحة أو تنقل عقيدتها النووية خارج جنوب آسيا؛ فذلك استنتاج مبالغ فيه سياسياً وقانونياً وعملياً. غير أن وجود باكستان بوصفها القوة الإسلامية الوحيدة المالكة لسلاح نووي معلن يمنح الاتفاق ثقلاً ردعياً رمزياً واستراتيجياً لا يمكن تجاهله. فالسلاح النووي هنا لا يُقرأ بوصفه أداة استخدام، بل بوصفه جزءاً من المكانة والهيبة والقدرة على رفع كلفة العدوان في وعي الخصوم، مع بقاء العقيدة النووية الباكستانية في جوهرها مرتبطة بردع الهند ومنع اختلال التوازن في جنوب آسيا.
وعلى الرغم من تعاقب الحكومات المدنية والعسكرية في إسلام آباد، بقيت العلاقة مع الرياض ثابتة نسبياً، لأن جذورها لم تكن مرتبطة بحكومة بعينها، بل بمصالح الدولة الباكستانية ومكانة المملكة في الوجدان الإسلامي وبالاحتياج المتبادل في الطاقة والاقتصاد والأمن. وهذا الثبات عبر التحولات الداخلية هو ما يمنح الشراكة السعودية الباكستانية صفة مؤسسية؛ فهي علاقة نجت من تبدل الأحزاب والجنرالات والائتلافات لأنها تستند إلى جهاز دولة ومصالح استراتيجية لا إلى مزاج سياسي عابر.
والأهم أن هذه العلاقة لم تكن تحالفاً ورقياً، بل علاقة عملية تراكمت عبر التدريب، وتطوير القدرات، والتنسيق في الأزمات، ووجود جالية باكستانية واسعة في المملكة، واعتماد اقتصادي متبادل عبر الطاقة والاستثمارات والتحويلات. لذلك فإن أي اتفاق دفاعي سعودي باكستاني لا يولد من فراغ، بل يؤطر ويرسم واقعاً قائماً منذ عقود، ويمنحه لغة ردع أوضح في مرحلة إقليمية أكثر اضطراباً.
ثانياً: لماذا تركيا الآن؟ من الطموح إلى النضج الاستراتيجي
أما تركيا، فإن فهم موقعها في التحالف يستلزم العودة إلى مسارها منذ نهاية الدولة العثمانية وقيام الجمهورية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى. فقد اختارت أنقرة طوال عقود تعريف نفسها بوصفها دولة غربية التوجه، وانضمت إلى حلف الناتو، وسعت إلى الارتباط بالمؤسسات الأوروبية، ثم تقدمت بطلب الانضمام إلى الجماعة الأوروبية عام 1987م، وحصلت على صفة المرشح عام 1999م، وبدأت مفاوضات العضوية عام 2005م. غير أن هذا المسار ظل بطيئاً ومعلّقاً، وتراكمت فيه اعتراضات أوروبية سياسية وثقافية وقانونية، حتى بدا لكثير من الأتراك أن الاندماج الكامل في أوروبا ليس خياراً واقعياً قريباً، بل وعداً مؤجلاً بلا نهاية.
هذا الرفض أو التعطيل الأوروبي لم يكن مجرد ملف دبلوماسي، بل أصبح عنصراً في إعادة تشكيل الوعي الاستراتيجي التركي. فتركيا اكتشفت تدريجياً أن موقعها لا يسمح لها بأن تكون هامشاً في أوروبا ولا تابعاً في الشرق، وأن عليها أن تبني دوراً مستقلاً يستثمر عضويتها في الناتو ولا يرتهن لها، ويستفيد من اقتصادها وصلاتها الأوروبية من دون أن يتنازل عن عمقها الإسلامي والآسيوي والشرق أوسطي.
دخول تركيا في الإطار الثلاثي لا يمكن اختزاله في الحنين العثماني ولا في خطاب الهوية، بل ينبغي قراءته في سياق تحولات سياسية وعسكرية واقتصادية عميقة شهدتها أنقرة خلال العقدين الأخيرين. فقد طورت تركيا قاعدة صناعات دفاعية متقدمة، خصوصاً في الطائرات المسيّرة والأنظمة البحرية والاتصالات العسكرية، ووسعت حضورها الدبلوماسي والعسكري في أكثر من مسرح، ثم أدركت أن النفوذ الإقليمي لا يترسخ بالخطاب وحده، بل بالشراكات القابلة للتنفيذ وبالانضباط ضمن حسابات المصالح.
كما أن العلاقات السعودية التركية مرت بمراحل توتر وتباعد، ثم دخلت مرحلة إعادة ضبط واقعية فرضتها مصالح الاقتصاد، وأولويات الأمن الإقليمي، وتراجع الثقة في قدرة المنظومات التقليدية على منع التصعيد. ومن هنا تصبح تركيا شريكاً مكملاً: فهي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو من حيث الحجم، وتجربة صناعية دفاعية صاعدة، وموقعاً جيوسياسياً يربط البحر الأسود والشرق الأوسط والبحر المتوسط وآسيا الوسطى.
ثم جاءت محاولة الانقلاب العسكري في يوليو 2016م لتكون لحظة فاصلة في علاقة الدولة التركية بالمؤسسة العسكرية وبتيارات الوصاية القديمة. فقد عرفت تركيا تاريخاً طويلاً من الانقلابات والتدخلات العسكرية في 1960م و1971م و1980م و1997م، حيث كانت المؤسسة العسكرية تقدم نفسها حارسة للعلمانية الكمالية. وبعد فشل محاولة 2016م اتجهت الدولة إلى إعادة هيكلة علاقة الجيش بالسلطة المدنية، وتوسيع الرقابة السياسية على المؤسسة العسكرية، وتحجيم شبكات الانقلاب داخل مؤسسات الدولة. وبصرف النظر عن الجدل الداخلي حول بعض الإجراءات، فإن النتيجة الاستراتيجية كانت انتقال تركيا إلى مرحلة أصبح فيها القرار السياسي أكثر مركزية واستقلالاً، مع تراجع احتمال العودة إلى نمط الانقلابات التقليدية كما عُرف في القرن العشرين.
وعلى المستوى الإقليمي، عززت تركيا حضورها في ملفات متعددة، من الصناعات الدفاعية إلى أذربيجان وليبيا وشرق المتوسط وسوريا. وفي الملف السوري تحديداً، ساهم الدعم التركي للفصائل السورية المعارضة، والوجود العسكري التركي في الشمال، في منع تمدد خصومها وفتح مساحة سياسية وأمنية جديدة على حدودها الجنوبية، مع بقاء الملف السوري بطبيعته شديد التعقيد ومفتوحاً على توازنات داخلية وإقليمية ودولية. لذلك فإن الحديث عن التقارب السعودي التركي الباكستاني لا ينفصل عن شعور أنقرة بأنها أصبحت أكثر قدرة على التأثير في الإقليم، ولا عن إدراك الرياض وإسلام آباد أن تركيا نضجت من قوة احتجاجية أو أيديولوجية إلى قوة إقليمية ذات أدوات عسكرية وصناعية ودبلوماسية قابلة للتنسيق.
إن رغبة تركيا في الانضمام إلى هذا الإطار تعكس نضجاً في فهم حدود القوة المنفردة. فتركيا لا تستطيع وحدها بناء مظلة إقليمية شاملة، والسعودية لا تريد الارتهان لضامن واحد، وباكستان تبحث عن توسيع دورها ضمن أطر منضبطة لا تصادم مصالحها الحيوية. كما تجمع الدول الثلاث خبرة طويلة مع عدم الاستقرار الناتج عن الميليشيات وحروب الوكالة والمشاريع العابرة للحدود: تركيا في مواجهة تحديات أمنية مرتبطة بالملف الكردي وحدودها الجنوبية، وباكستان في مواجهة التطرف والجماعات المسلحة والحدود المعقدة، والسعودية في مواجهة تهديدات الميليشيات على جوارها وممراتها الحيوية. بهذا المعنى، يلتقي الثلاثة عند نقطة براغماتية: تحالف دفاعي يرفع كلفة العدوان، ولا يلزم الأطراف بالاندفاع الأعمى إلى الحروب.
ثالثاً: طبيعة التحالف: ردع لا مغامرة
الميزة الأساسية في الاتفاق الثلاثي أنه يقوم على مبدأ الردع الجماعي: أي أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يُفهم بوصفه تهديداً للأطراف كلها. لكن هذا لا يعني آلية تلقائية للحرب أو التورط الفوري، بل يعني رفع الغموض الاستراتيجي أمام الخصوم، وزيادة كلفة الحسابات العدوانية، وفتح مجال واسع للتشاور السياسي والعسكري قبل تحديد طبيعة الاستجابة.
وهنا تكمن واقعية التحالف: السعودية تقدم العمق المالي والجغرافي والرمزية الإسلامية ومركز الثقل الطاقي وتجربة عسكرية وأمنية متراكمة؛ وتركيا تقدم الصناعة الدفاعية والخبرة العملياتية والارتباط بمنظومات عسكرية غربية؛ وباكستان تقدم الخبرة العسكرية والكثافة البشرية والقدرة الردعية والموقع الآسيوي الحساس. كما أن الدول الثلاث تمتلك عناصر قوة إضافية: اقتصادات مؤثرة، رؤى تنموية طموحة، استثمارات استراتيجية، قرارات سياسية محسوبة، وتجارب في بناء الاستقرار الداخلي رغم بيئات إقليمية مضطربة. هذا التكامل لا يصنع حلفاً مطابقاً للناتو، لكنه يصنع إطاراً ردعياً أكثر جدية من البيانات السياسية العامة.
ومن عناصر القوة غير المعلنة في هذا التقارب وجود قدر من التشابه العملي في العقيدة العسكرية للدول الثلاث: أولوية الدفاع عن الدولة والمجال الحيوي، الاعتماد على الردع لا المغامرة، أهمية القوات البرية والجوية والبحرية معاً، التركيز على حماية الممرات والمنشآت الحيوية، والاستعداد للتعامل مع تهديدات غير تقليدية مثل المسيّرات والصواريخ والميليشيات والحرب غير النظامية. وتختلف التفاصيل بطبيعة الحال بين جيش نشأ داخل الناتو، وجيش نووي خبر حروب جنوب آسيا، وقوة خليجية تطور نفسها بسرعة، لكن اللغة العملياتية العامة قابلة للتقارب عبر التدريب والمناورات وتبادل الخبرات.
رابعاً: تفنيد الاعتراضات الشائعة والقراءات المتسرعة
1. هل هو إعلان وفاة لجامعة الدول العربية؟
هذا الاعتراض يخلط بين طبيعة المنظمات السياسية الجامعة وطبيعة ترتيبات الدفاع المحددة. فجامعة الدول العربية إطار سياسي واسع يجمع دولاً مختلفة المصالح والأنظمة والقدرات، بينما التحالف الثلاثي ترتيب دفاعي محدود بين دول ترى أن بينها تقاطع مصالح مباشراً. قيام ترتيبات أمنية مرنة لا يعني موت الجامعة، بل يعني أن الدول لم تعد رهينة لأطر إقليمية ضعيفة الفاعلية عندما تعجز عن إنتاج قرار دفاعي سريع أو موقف عملي في اللحظات الحرجة.
2. هل يعني تراجع مجلس التعاون الخليجي؟
مجلس التعاون الخليجي يظل إطاراً إقليمياً ضرورياً للأمن والاقتصاد والتنسيق السياسي بين دول الخليج، لكن تحديات اليوم تتجاوز المجال الخليجي الضيق: أمن البحر الأحمر، تهديدات المسيّرات والصواريخ، اضطراب سلاسل الطاقة، والتحولات في جنوب آسيا وشرق المتوسط. لذلك فإن بناء شراكات مع قوى غير خليجية لا يلغي المجلس، بل يضيف طبقة خارجية إلى هندسة الأمن الوطني والإقليمي.
3. القول إن التحالفات السابقة لم تُفعّل
صحيح أن بعض التحالفات السابقة واجهت قيوداً في التنفيذ، لكن الاستنتاج بأن كل تحالف جديد محكوم بالفشل استنتاج متسرع. فالتحالفات تختلف في طبيعتها: بعضها سياسي، وبعضها عملياتي، وبعضها ردعي. والتحالف الثلاثي يتميز بأنه أصغر عدداً وأكثر تجانساً من التحالفات الواسعة التي تضم عشرات الدول، كما أنه يجمع قدرات متكاملة لا مجرد توقيعات رمزية. العبرة ليست بعدد الأعضاء، بل بوضوح المصلحة، وتطابق التهديد، وآليات التنسيق، ووجود قدرة حقيقية على الإسناد.
4. هل يقوم التحالف على المذهب والأيديولوجيا؟
الهوية قد تمنح التحالف لغة رمزية، لكنها لا تكفي لصناعته ولا لاستمراره. وفي المقابل، لا يجوز تجاهل أن بعض الخصوم يوظفون الخطاب المذهبي والتحريض الطائفي وحروب الذاكرة كأدوات تعبئة وصراع، وأن مواجهة هذا النوع من التهديد تحتاج إلى ردع سياسي وأمني وفكري في آن واحد. ومع ذلك، فإن ما يجمع الدول الثلاث ليس المذهب وحده، بل تقاطع مصالح ملموس: حماية المنشآت الحيوية، أمن الطاقة، تطوير الصناعات الدفاعية، تبادل التدريب والخبرات، وتوسيع خيارات الردع. ولو كانت الهوية وحدها كافية لنجحت عشرات المشاريع السابقة، لكن ما يجعل هذا المسار أكثر جدية هو انتقاله من الخطاب العام إلى هندسة مصالح قابلة للقياس.
5. هل تمنع مصالح تركيا وباكستان مع إيران والهند واليمن فاعلية التحالف؟
هذا الاعتراض يفترض أن التحالف لا يكون فعالاً إلا إذا كان موجهاً ضد عدو محدد، وهذا فهم ضيق للتحالفات الحديثة. فالدول يمكن أن تبني ترتيبات دفاعية دون إعلان حرب سياسية على دولة بعينها. تركيا وباكستان تستطيعان الحفاظ على مصالحهما مع إيران والهند، وفي الوقت نفسه الالتزام بمنع الاعتداء على شريكهما. بل إن وجود مصالح متشابكة قد يكون عاملاً مهدئاً لا معطلاً؛ لأنه يجعل التحالف أداة ردع لا منصة اندفاع.
6. هل تدعم تركيا وباكستان جماعة الإخوان المسلمين؟
من الاعتراضات المتكررة القول إن تركيا أو باكستان لا يمكن الوثوق بهما لأنهما تدعمان جماعات الإسلام السياسي أو الإخوان المسلمين. وهذا تعميم يحتاج إلى تفكيك. فتركيا تعاملت في مراحل سابقة مع قوى سياسية إسلامية وتيارات معارضة في المنطقة ضمن حسابات نفوذها وصراعاتها الإقليمية، لكنها في السنوات الأخيرة اتجهت إلى قدر أكبر من البراغماتية وإعادة ضبط العلاقات مع دول عربية مركزية، ومنها المملكة. أما باكستان فليست دولة أيديولوجية بالمعنى الحزبي، بل دولة ذات مؤسسة عسكرية وأمنية عميقة، تتعامل مع الإسلام السياسي والجماعات الدينية من زاوية الأمن الداخلي والتوازن الاجتماعي والمصلحة الوطنية، لا من زاوية مشروع إخواني عابر للحدود.
والأهم أن التحالفات بين الدول لا تقوم على تزكية تاريخ كل طرف أو تطابق مواقفه الحزبية، بل على قدرة الدولة على الالتزام، وضبط مؤسساتها، وتحويل التفاهم السياسي إلى تعاون أمني وعسكري. فإذا كان المعيار هو الخلو الكامل من التباينات الأيديولوجية فلن يقوم أي تحالف في العالم؛ أما المعيار الواقعي فهو: هل تستطيع الدول الثلاث إدارة خلافاتها السابقة وتقديم مصالح الأمن والاستقرار على الحسابات الحزبية؟ والتطور الأخير في العلاقات السعودية التركية، وثبات العلاقة السعودية الباكستانية، يشيران إلى أن منطق الدولة أصبح أرجح من منطق التنظيمات.
7. هل عضوية تركيا في الناتو تقيدها؟
عضوية تركيا في الناتو لا تمنعها من بناء شراكات دفاعية مستقلة، لكنها تفرض عليها حسابات دقيقة. وهذا ليس عيباً، بل عنصر ضبط. فكثير من الدول الأعضاء في تحالفات كبرى تقيم ترتيبات أمنية موازية خارج مسرح الحلف الأصلي، كما في التعاون الأميركي البريطاني الأسترالي في إطار أوكوس. الدول الناضجة لا تدخل الحروب بلا حساب، ولا تجعل التحالفات شيكاً مفتوحاً. كما أن تركيا تاريخياً استخدمت موقعها داخل الناتو لتعظيم هامشها التفاوضي، لا لإلغاء سيادتها في كل ملفات الأمن الإقليمي.
8. هل غياب التفاصيل العسكرية يعني غياب الاستراتيجية؟
من المهم هنا التفريق بين مستويين مختلفين: مستوى الاتفاق السياسي-الاستراتيجي، ومستوى الإجراءات العسكرية اللاحقة. فالاتفاقات الدفاعية لا تبدأ دائماً بقيادة موحدة وقواعد اشتباك معلنة وقوات مخصصة منذ اليوم الأول؛ بل تبدأ غالباً بإطار سياسي يحدد إرادة الدول، ويوجه مؤسساتها العسكرية والأمنية لبناء آليات التنفيذ لاحقاً. لذلك فإن القول إن غياب التفاصيل العملياتية المنشورة يعني غياب الاستراتيجية قول غير دقيق؛ لأن الاستراتيجية قد تكون في إعلان مبدأ الردع نفسه، بينما الخطط التفصيلية بطبيعتها لا تُنشر كاملة للرأي العام، ولا تُبنى دفعة واحدة.
والأدق أن نقرأ الاتفاق في مرحلته الحالية بوصفه إطار ردع سياسي-استراتيجي لا تحالفاً عسكرياً عملياتياً مكتمل الأركان على طريقة حلف الناتو. فالناتو نفسه لم يصبح منظومة مؤسسية معقدة بين ليلة وضحاها، بل تطور عبر هياكل وقيادات وخطط وتمارين ومراجعات متراكمة. أما الاتفاق الثلاثي، فإن قيمته الأولية تكمن في الرسالة السياسية: أن أمن كل طرف لم يعد شأناً معزولاً، وأن أي تهديد جسيم قد يستدعي موقفاً جماعياً تتدرج أدواته من الدبلوماسية والاقتصاد والسياسة إلى التعاون الأمني والعسكري بحسب نوع الخطر وحجمه.
ومن ثم فالسؤال الصحيح ليس: هل وُجدت قيادة مشتركة معلنة في اليوم الأول؟ بل: هل يوجد تقاطع مصالح وقدرات وإرادة سياسية تسمح ببناء هذه القيادة أو آليات التنسيق عند الحاجة؟ فإذا توفرت الإرادة السياسية، فإن الإجراءات اللاحقة تصبح مسألة تنظيمية وزمنية: لجان دفاعية مشتركة، تمارين دورية، قنوات استخبارية، خطط طوارئ، وتحديد مستويات الاستجابة. أما إذا غابت الإرادة السياسية فلن تنقذ التحالفَ كثرةُ الوثائق ولا كثافةُ المصطلحات العسكرية.
9. هل الاتفاق شهادة وفاة للاتفاقيات الإبراهيمية؟
من المبالغة كذلك تصوير الاتفاق الثلاثي على أنه إعلان نهائي وحاسم لانتهاء مشروع الاتفاقيات الإبراهيمية أو دمج إسرائيل في المنطقة. فالموقف السعودي من التطبيع له شروطه السياسية المعلنة، وفي مقدمتها مسار واضح لمعالجة القضية الفلسطينية، وهو موقف تلتقي معه بدرجات مختلفة حسابات تركيا وباكستان ودول إسلامية أخرى في ضرورة عدم تجاوز الحقوق الفلسطينية. ولا يصح من دون نص رسمي أو تصريح مباشر استنتاج أن اتفاقاً دفاعياً مع تركيا وباكستان قد غيّر تلقائياً هذا الموقف أو أغلق الباب نظرياً أمام كل مسار دبلوماسي آخر. الاتفاق الدفاعي يتعلق أولاً بمنظومة الردع وحماية الأمن الوطني وموازنة المخاطر الإقليمية، ولا يلزم أن يكون بياناً أيديولوجياً موجهاً ضد مسار سياسي بعينه.
الأكثر اتزاناً أن نقول إن الاتفاق يوسّع هامش القرار السعودي والإسلامي، ويمنح الرياض خيارات أمنية إضافية تقلل الحاجة إلى الارتهان لأي صيغة إقليمية مفروضة من الخارج. لكنه لا يلغي بنفسه كل الملفات الأخرى، ولا يحسم تلقائياً قضايا التطبيع أو الصراع العربي الإسرائيلي. السياسة الخارجية للدول الكبرى والمتوسطة تُبنى عادة على تعدد المسارات: ردع هنا، وتفاوض هناك، وشراكات اقتصادية في مكان، وتحالفات دفاعية في مكان آخر. لذلك فإن قوة التحليل تكمن في عدم تحميل الاتفاق أكثر مما يحتمل، وعدم التقليل في الوقت نفسه من دلالته الاستراتيجية.
خامساً: ترتيب الأولويات وإدارة سلّم المخاطر
تجدر الإشارة هنا، توخياً للأمانة الفكرية، إلى أن بعض الأفكار التحليلية في هذا القسم تستفيد من نقاشات ومقالات متداولة حول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، ومن الأدبيات العامة في تحليل التحالفات والردع، لكنها تُعرض هنا بصياغة مستقلة وفي سياق مختلف يخدم حجة هذا المقال. والفكرة الأساسية أن التحالف لا ينجح بمجرد إعلان قائمة خصومه، بل عندما يعرف كيف يرتب المخاطر زمنياً واستراتيجياً: ما الخطر العاجل؟ وما الخطر المؤجل؟ وما الخطر الذي يمكن احتواؤه سياسياً؟ وما الخطر الذي ينبغي منعه من التحول إلى محور مضاد؟
بهذا المعنى، فإن عدم وضع إسرائيل في صدارة وظيفة التحالف لا يعني إنكار خطرها أو تبرئة سياساتها، بل يعني أن إدارة الصراع معها تختلف عن إدارة الخطر الإيراني أو أخطار الميليشيات والممرات البحرية. فإسرائيل ترتبط عضوياً بالولايات المتحدة، وتتحرك ضمن شبكة علاقات دولية يمكن التأثير فيها سياسياً ودبلوماسياً، بينما تتخذ التهديدات الإيرانية ووكلاؤها غالباً صيغة صاروخية أو ميليشياوية أو بحرية مباشرة. ولذلك فالحكمة ليست في تحويل كل خطر إلى عدو مباشر في اللحظة نفسها، بل في اختيار أداة التعامل المناسبة لكل خطر.
أما إيران، فهي في المرحلة الراهنة نقطة تقاطع أكثر مباشرة لمصالح الدول الثلاث: فهي تمس أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب بالنسبة للسعودية، وتمس العراق والمجال الشمالي والبحر الأسود والأناضول بالنسبة لتركيا، وتمس الحدود الغربية وميزان الجبهات بالنسبة لباكستان. لكن هذا لا يعني اختزال إيران في كونها وكيلاً لروسيا؛ فطهران قوة ذات مشروع مستقل، وإن كان بينها وبين موسكو تقاطع مصالح واضح في ملفات الطاقة وموازين القوة ومقاومة النفوذ الغربي.
والقاعدة العامة هنا أن المصلحة ترشد الاتجاه، لكن القدرة والكلفة والشرعية وتوافق الحلفاء تحدد حدود الفعل. فليس كل ما تريده الدول تستطيع تنفيذه، وليس كل ما تستطيع تنفيذه يستحق المخاطرة. ولهذا لا ينبغي افتراض تطابق كامل بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد في كل ملف، بل ينبغي البحث عن منطقة تقاطع واسعة تكفي لإنتاج فعل مشترك، مع آلية واعية لإدارة الملفات التي لا تتطابق فيها الحسابات، مثل الهند وإسرائيل وسوريا وبعض قضايا إيران.
ومن المهم ألا تُبنى استراتيجية التحالف على سيناريو واحد تجاه إيران. فقد تبقى إيران دولة قائمة لكنها أقل قدرة على تمويل وكلائها أو الضغط الإقليمي؛ وقد تبقى قائمة مع ضعف داخلي يسمح بظهور فراغات أمنية في الأطراف؛ وقد تدخل، في السيناريو الأقصى، في اضطراب سيادي واسع. ولكل حالة من هذه الحالات أدوات مختلفة: الردع في الحالة الأولى، والاحتواء الأمني والسياسي في الثانية، ومنع القوى المعادية من استغلال الفراغ في الثالثة، من دون تحويل ذلك إلى دعوة لتقسيم إيران أو مصادرة سيادتها.
وتختلف زاوية كل دولة من الدول الثلاث بحسب موقعها الجغرافي وتجربتها الأمنية. فتركيا ستنظر بحساسية إلى أي اضطراب في شمال إيران أو المجال القوقازي والقزويني، لأنها لا تريد أن يتحول ضعف إيران إلى ممر نفوذ لقوة أشد خطراً عليها. وباكستان تفكر بمنطق تقليل الجبهات؛ فهي لا تريد، إلى جانب الهند وأفغانستان، جبهة غربية دائمة تزيد من استنزافها. أما السعودية فتتقاطع مصالحها عند الخليج والعراق والبحر الأحمر وباب المندب، حيث يكون الهدف منع الفاعلين المسلحين من استخدام الجغرافيا الرخوة منصة تهديد لدول الجوار، وحماية المصدر والمسار في معادلة الطاقة والملاحة.
وعليه، فإن الحكمة في هذه المرحلة ليست توسيع الالتزامات قبل نضج المؤسسات، بل بناء قدرة مشتركة على قراءة البيئة الإقليمية المتحولة. فالحلف يحتاج إلى أن يردع الخطر القائم، ويمنع تمدد الفوضى إذا ضعفت الدول المركزية، ويحول دون تشكل محور مضاد يجمع خصوم كل عضو في مواجهة جماعية. وبهذا لا يكون التحالف مجرد جمع للقوة، بل محاولة لصناعة بيئة أمنية أقل قابلية لإنتاج التهديدات.
سادساً: المقارنات والمخاوف والاختبار الراهن للتحالف
لا يكفي أن يُعرض التحالف الثلاثي بوصفه فكرة نظرية جميلة، بل ينبغي وضعه أمام خريطة المخاوف الراهنة: حرب غزة وتداعياتها، التصعيد المتكرر في البحر الأحمر، هشاشة العراق وسوريا ولبنان واليمن، التنافس الهندي الباكستاني، حضور إيران ووكلائها، التمدد الروسي في ملفات الطاقة والنفوذ، الصعود الصيني، وتذبذب الموقف الأميركي بين الانخراط والانسحاب النسبي. هذه البيئة لا تسمح بترف التحالفات الخطابية؛ فهي تتطلب تحالفاً يعرف حدوده، ويحدد أولوياته، ويميز بين ما يستطيع رده عسكرياً، وما يجب احتواؤه سياسياً، وما ينبغي منعه قبل أن يتحول إلى تهديد مباشر.
المقارنة مع الناتو أو التحالفات الغربية الكبرى مفيدة بقدر ما تكشف الفرق لا بقدر ما تطلب التطابق. فالناتو نشأ في سياق حرب باردة واضحة، وعدو محدد، وبنية مؤسسية غربية متجانسة نسبياً. أما التحالف السعودي الباكستاني التركي فينشأ في بيئة أكثر سيولة: لا عدو واحداً مطلقاً، ولا مسرحاً واحداً، ولا تطابقاً كاملاً في مصالح الأعضاء. لذلك فإن نجاحه لا يكون بتقليد الناتو، بل بصناعة نموذج أكثر مرونة: ردع سياسي، تنسيق أمني، تعاون عسكري تدريجي، وتوزيع ذكي للأدوار بحسب الجغرافيا والقدرة والمصلحة.
الخوف الأول أن يتحول التحالف إلى إعلان كبير بلا مؤسسات. وهذا يمكن تجاوزه إذا انتقل سريعاً من البيان السياسي إلى آلية عمل دائمة: مجلس أمني ثلاثي، غرفة إنذار مبكر، اجتماعات دفاعية دورية، سيناريوهات مشتركة للأزمات، وتمارين بحرية وجوية لحماية الممرات والمنشآت الحيوية. والخوف الثاني أن يتحول إلى تحالف مفتوح يستورد خصومات كل عضو؛ فتفرض الهند نفسها على السعودية وتركيا، أو تفرض إسرائيل نفسها على باكستان، أو تفرض ملفات سوريا والعراق واليمن نفسها على الجميع بالدرجة نفسها. لذلك يجب أن يميز الحلف بين تهديد الدولة العضو وحدها، وتهديد بنية الحلف ومصالحه المشتركة.
أما الحرب الحالية في غزة وما رافقها من توسع التوتر في المنطقة، فقد كشفت أن الخطر لم يعد محصوراً في الجيوش النظامية، بل في شبكة من الضغوط المركبة: رأي عام غاضب، قوى دولية منحازة أو عاجزة، ميليشيات عابرة للحدود، حرب إعلامية، ضغط اقتصادي، وتعطيل للملاحة أو الطاقة. وهذا يعني أن التحالف المنتظر لا يحتاج إلى سلاح فقط، بل إلى قدرة على إدارة الأزمات المتزامنة: حماية الداخل، منع توسع الحرب، دعم الموقف السياسي للقضية الفلسطينية، تأمين الممرات، ومنع الخصوم من استغلال الغضب الشعبي أو الفراغ الإقليمي لإرباك الدول الثلاث.
وفي البحر الأحمر وباب المندب، يظهر الاختبار الأكثر عملية للتحالف؛ فهنا تلتقي مصالح السعودية كقوة طاقة وموانئ، وباكستان كدولة مرتبطة بأمن الإمدادات الآسيوية، وتركيا كقوة بحرية وتجارية تبحث عن حضور أوسع في الممرات الحيوية. أي اضطراب في هذه المنطقة لا يهدد دولة واحدة فقط، بل يضغط على الاقتصاد العالمي ويمنح القوى المتنافسة فرصة لإعادة ترتيب النفوذ. لذلك يمكن أن يكون الأمن البحري أول مختبر حقيقي للتعاون الثلاثي، لأنه أقل حساسية من التدخل البري وأكثر وضوحاً في مشروعيته ووظيفته الدفاعية.
وتبرز هنا أهمية التحركات التركية والسعودية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فتركيا بنت حضوراً مؤثراً في الصومال عبر التدريب العسكري والمؤسسات الأمنية والتعاون الاقتصادي والإنساني، بينما تحركت السعودية لتقوية أمن البحر الأحمر وباب المندب عبر مبادرات دفاعية وبحرية تضم دولاً مشاطئة وشركاء آسيويين وإسلاميين، من بينهم تركيا وباكستان والسودان والصومال. هذا التقاطع لا يعني سباق نفوذ فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى دعم لاستقرار الدول المطلة على البحر الأحمر إذا جرى توظيفه لتقوية المؤسسات الشرعية، وبناء القدرات البحرية، ومنع القرصنة والتهريب والميليشيات من تحويل الممرات إلى أدوات ابتزاز سياسي وأمني.
وفي السودان والصومال تحديداً، تظهر قيمة هذا النوع من التنسيق. فالسودان يمثل عمقاً استراتيجياً للبحر الأحمر، وأي انهيار طويل فيه يهدد الموانئ والممرات والنفوذ الخارجي المتنافس. والصومال يطل على واحد من أهم الممرات بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وأمنه البحري جزء من أمن التجارة والطاقة. لذلك فإن نجاح التحالف لا يقتصر على ردع الخصوم المباشرين، بل يشمل مساعدة الدول الهشة على استعادة مؤسساتها، ودعم الاستقرار دون وصاية، وتعزيز قدراتها على حماية حدودها وموانئها ومياهها الإقليمية.
وفي العراق وسوريا واليمن، لا ينبغي أن يكون هدف التحالف إدارة دول بديلة أو الدخول في وصاية سياسية، بل منع تحول الجغرافيا الرخوة إلى منصات تهديد. فنجاح التحالف يتوقف على قدرته على دعم استقرار الدول لا تفكيكها، وعلى تقوية المؤسسات الشرعية لا استبدالها، وعلى منع استخدام الميليشيات والصواريخ والمسيّرات لابتزاز أمن الخليج وتركيا وباكستان. وهذا يفرض أدوات متعددة: دبلوماسية، استخباراتية، اقتصادية، وأمنية، لا أداة عسكرية واحدة.
أما التدخلات الدولية، فهي جزء لا يمكن تجاهله من البيئة التي سيعمل داخلها التحالف. فالولايات المتحدة ما زالت القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في أمن الخليج وإسرائيل والممرات البحرية، والصين حاضرة بقوة في الطاقة والتجارة والاستثمارات والربط الآسيوي، وروسيا تبحث عن أوراق ضغط في الطاقة وساحات التوتر، والهند تتمدد اقتصادياً وعسكرياً في محيط باكستان والشرق الأوسط. لهذا لا ينبغي أن يتحول التحالف إلى محور مغلق ضد العالم، بل إلى منصة توازن تمنع أي قوة كبرى من احتكار القرار الإقليمي أو استخدام فراغات المنطقة ضد مصالح الدول الثلاث.
ما ينتظر التحالف إذن ليس اختبار الحرب الشاملة أولاً، بل اختبار البناء الهادئ: هل يستطيع أن ينتج لغة تهديد مشتركة؟ هل يملك آلية لتقدير المخاطر؟ هل يستطيع حماية الممرات والمنشآت دون استفزازات غير محسوبة؟ هل يستطيع إدارة الاختلاف حول الهند وإسرائيل وإيران وسوريا دون أن يتفكك؟ وهل يستطيع تحويل التقارب السياسي إلى تعاون صناعي دفاعي وتدريب واستخبارات وإنذار مبكر؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد إن كان التحالف مرحلة عابرة أم بداية هندسة أمنية جديدة.
سابعاً: شروط نجاح التحالف
لكي يتحول التحالف من إعلان سياسي إلى بنية ردعية مؤثرة، يحتاج إلى خمسة شروط رئيسة: إنشاء آلية تشاور دائمة بين وزارات الدفاع والخارجية، وتحديد مستويات التهديد والاستجابة، وبناء تمارين مشتركة منتظمة، وتطوير تكامل صناعي دفاعي، ووضع بروتوكولات واضحة لتبادل المعلومات والاستخبارات. وبدون هذه الشروط سيبقى التحالف ذا قيمة رمزية أكثر من كونه قدرة عملياتية.
لكن حتى القيمة الرمزية ليست أمراً هامشياً في السياسة الدولية. فالردع يبدأ أحياناً من الرسالة السياسية قبل أن يصل إلى الانتشار العسكري. وعندما ترى القوى المعادية أن الاعتداء على منشأة أو مدينة أو ممر بحري قد يستدعي تنسيقاً بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، فإن حسابات المخاطرة تتغير، ولو لم تُطلق رصاصة واحدة.
خاتمة
التحالف الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا ليس نهاية لمنظمات عربية أو خليجية، وليس مشروعاً طائفياً، وليس ضماناً مطلقاً يخلو من القيود. لكنه خطوة استراتيجية ذات معنى في عالم لم تعد فيه الضمانات القديمة كافية. قوته لا تكمن في أنه سيخوض كل حرب، بل في أنه قد يمنع بعضها. وهو لا يلغي الدبلوماسية، بل يمنحها سنداً ردعياً. ولا يلغي المصالح المتباينة، بل يحاول إدارتها ضمن إطار مشترك.
ومن ثم فإن القراءة العاطفية، سواء كانت مؤيدة بلا حدود أو معارضة بسخرية مسبقة، لا تكفي لفهم هذا التحول. القراءة الأصح هي أن الدول الثلاث تتحرك في اتجاه هندسة أمنية جديدة: تحفظ لكل دولة هامش قرارها، وتراكم عناصر القوة المشتركة، وترسل رسالة واضحة بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة فراغ استراتيجي أو انتظار دائم لقوة خارجية.
مراجع وإحالات مختارة
1. خلفية التجارب النووية في جنوب آسيا: تقارير جمعية ضبط التسلح حول اختبارات الهند وباكستان في مايو 1998، ومواد عن اختبار الهند الأول عام 1974 واختبارات باكستان في تشاغاي عام 1998.
2. مسار تركيا الأوروبي: صفحة المفوضية الأوروبية عن تركيا، وملفات مجلس الاتحاد الأوروبي التي توثق طلب تركيا عام 1987، وحصولها على صفة المرشح عام 1999، وبدء مفاوضات الانضمام عام 2005، وتعثرها لاحقاً.
3. عضوية تركيا في الناتو: صفحة الناتو عن الدول الأعضاء، وصفحة تاريخ الناتو الخاصة بتركيا التي تشير إلى انضمامها في 18 فبراير 1952.
4. محاولة الانقلاب التركية عام 2016: تقارير الاتحاد الأوروبي وتقارير دولية متخصصة عن محاولة الانقلاب وما تلاها من إعادة هيكلة سياسية وأمنية.
5. الحضور التركي في الصومال: تقارير عن قاعدة تدريب تركسوم في مقديشو ودورها في تدريب وحدات من الجيش الصومالي منذ 2017، إلى جانب التعاون الاقتصادي والإنساني التركي في الصومال.
6. أمن البحر الأحمر وباب المندب: تقارير عام 2026 عن التحالف البحري متعدد الجنسيات بقيادة السعودية لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، ومشاركة دول من بينها تركيا وباكستان والسودان والصومال.
7. موقف السعودية من التطبيع: تقارير بحثية وكونغرسية عام 2024 تشير إلى ربط الرياض أي مسار تطبيع مع إسرائيل بمسار واضح نحو دولة فلسطينية ووقف الحرب على غزة.
8. المقارنة مع أوكوس: بيانات الشراكة الأمنية الثلاثية بين أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة منذ 2021، بوصفها مثالاً على ترتيبات أمنية مرنة خارج الأطر التقليدية.
0
