الأمثال الشعبية ليست مجرد عبارات تتناقلها الألسن بل هي خلاصة تجارب إنسانية ومواقف إجتماعية ومرآة إفتراضية تتشكل منها ثقافة المجتمع وتؤثر في طريقة تفكير أفراده وسلوكهم.
ولهذا كانت بعض الأمثال مدارس في الحكمة بينما تحولت أمثال أخرى مع مرور الزمن إلى قيود تكبل الإرادة وتحد من حرية التفكير وتدفع الإنسان إلى السير مع التيار دون أن يسأل: إلى أين يمضي هذا التيار؟!!!
فهناك أمثال يتداولها العامة ويجعلونها منهاجاً لحياتهم بينما هي أمثال تأتي لترسخ ظاهرة الخنوع والطاعة العمياء لرأي الجماعة ولو كان خطئاً وهذا بطبيعة الحال ليس تعميماً على كل الأمثال .
ومن الأمثال التي طالما ترددت على ألسنة الناس قولهم: «مع ربعك مخطيء ولا وحدك مصيب». وهو مثل يبدو لأول وهلة أنه دعوةً إلى الوفاء للجماعة وترسيخ اللحمة الوطنية لكنه أحياناً قد يكون تبريراً لخطأ فادح أو إعلاءً لإنتماء مقيت أو دعوى جاهلية سواء كانت قبلية أو طائفية ورسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام نهى عنها بقوله ( دعوها فإنها منتنة )والباطل لن يصبح حقاً لمجرد أن الأغلبية سارت عليه.
ويأتي بنفس السياق المثل الشائع: «الموت مع الجماعة رحمة» الذي يحث على مسايرة الآخرين مهما كانت وجهتهم وتوجهاتهم فيصبح الشخص إمعة لا رأي له يتحكمون به كيفما يشاؤون وذلك الفهم يزرع في النفوس الخوف من الادلاء بالرأي أو الإستقلال به خوفاً من الجماعة حتى وإن كان رأيهم منافي للفطرة ومجانب للصواب .
وهناك مثلاً ثالثاً يكرس مبدأ الخنوع وسلب الإرادة والإنجرار خلف التيار وهو قولهم : «حط رأسك مع الرؤوس وادع عليها بالسلامة»!!! وإن كان المقصود منه في بعض الأحوال تجنب الخصومات واتقاء الفتن غير أن تحويله إلى قاعدة عامة للحياة يصنع أفراداً إمعات يخشون إبداء آرائهم ويترددون في مواجهة الخطأ ويؤثرون الصمت ولو كان ثمنه ضياع الحق.
إن أخطر ما في هذه الأمثال ليس ألفاظها، وإنما حين تتحول إلى قناعات راسخة توجه السلوك وتشكّل الوعي.
فكم من إنسان كان مقتنعاً بالصواب ثم تراجع عنه خوفاً من مخالفة الجماعة وكم من فكرة إصلاحية وئدت في مهدها لأن صاحبها خشي أن يقال عنه إنه خرج عن المألوف.
ولو تأملنا مسيرة المصلحين والعلماء والمبدعين عبر التاريخ لوجدنا أنهم لم يصنعوا أثرهم لأنهم ساروا خلف الجميع بل لأنهم امتلكوا شجاعة السؤال وجرأة التفكير وقوة الإرادة والإيمان بأن الحقيقة لا تُقاس بعدد المؤيدين لها وإنما بما تقوم عليه من برهان و ما ينتج عنها من عدل ومساواة ومصالح عامة .
وليس المقصود من هذا المقال الدعوة إلى التمرد على المجتمع أو التقليل من قيمة الجماعة فالإسلام دعا إلى الألفة والاجتماع ونبذ الفرقة ( إن الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار ) لكنه في الوقت نفسه جعل معيار التفاضل هو الحق والعدل لا كثرة الأتباع.
فالطاعة تكون بالمعروف والاجتماع يكون على الخير أما إذا تعارضت مجاملة الناس مع المبادئ، فإن الكرامة الفكرية تقتضي أن يكون الإنسان مع الحق ولو سار وحده.
إن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي تُخرس الآراء السديدة وتكمم الأفواه الحكيمة بل تلك التي تفتح المجال للرأي المسؤول وتحترم الحوار وتدرك أن النقد الواعي ليس خروجاً على الجماعة وإنما هو صمام أمان يحفظها من الوقوع في الخطأ الجماعي.
ولعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى مراجعة بعض الأمثال التي ورثناها ليس بهدف هدم الموروث وإنما لتمييز الحكمة من العادة والنافع من الضار.
فليس كل ما تناقلته الأجيال صالحاً لكل زمان ومكان كما أن احترام التراث لا يعني تعطيل العقل بل إن أجمل صور الوفاء للموروث هي أن نقرأه بعينٍ واعية فنأخذ منه ما يبني الإنسان ونترك ما قد يرسخ السلبية أو يبرر الاستسلام.
ختاماً الإنسان الذي يفكر بعقله ويزن الأمور بضميره ويقف مع الحق ولو خالفه الناس هو الذي يسهم في بناء مجتمع قوي لأن نهضة المجتمعات لا يصنعها المقلدون بل يصنعها المفكرون الذين يدركون أن قيمة الإنسان ليست في ذوبانه داخل الجموع والسير مع القطيع وإنما في قدرته على أن يكون صوتاً للحق وشريكاً في صناعة الوعي وحارساً للقيم التي تسمو بها الأوطان ويألفها الإنسان ودمتم بخير .




