المقالات

الجامعات… حين تصنع مواردها كما تصنع عقولها

لم يعد مستقبل الجامعات مرهونًا بحجم الدعم الحكومي وحده، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى مورد مستدام، والبحث العلمي إلى قيمة اقتصادية، والابتكار إلى قوة تدعم رسالتها وتضمن استمرارها.

حين تُبنى الأمم، لا تُقاس قوتها بما تملكه من ثرواتٍ فحسب، بل بما تؤسسه من مؤسسات قادرة على البقاء والعطاء جيلاً بعد جيل. والجامعات في مقدمة هذه المؤسسات؛ فهي مصانع العقول، وحاضنات الابتكار، ومختبرات المستقبل. غير أن أداء رسالتها الحضارية لا يتحقق إلا إذا امتلكت من مقومات الاستدامة ما يجعلها قادرة على مواصلة رسالتها في مختلف الظروف الاقتصادية. ولعل القرآن الكريم قد أرشد إلى هذا المبدأ منذ قرون، حين قصَّ علينا قصة يوسف عليه السلام، فجعل من حسن التدبير في زمن الرخاء سبيلًا لعبور سنوات الشدة، فقال تعالى: ﴿تزرعون سبع سنين دأبًا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلًا مما تأكلون﴾. إنها ليست قصة تاريخية فحسب، بل منهجٌ خالد في التخطيط، والاستعداد، وبناء المستقبل.

وفي إطار التعليم العالي، وأقصد به الجامعات الحكومية والخاصة في بلادنا الغالية، تبرز ثلاث حقائق تجعل من استحضار هذا المبدأ ضرورة لا غنى عنها؛ أولها الارتفاع المستمر في كلفة التعليم العالي، وثانيها التزايد المطرد في أعداد الطلاب والطالبات، وثالثها اتساع المشاريع التنموية وتعدد أولويات الإنفاق الوطني.

كل هذه المعطيات تجعل من الحكمة أن تعمل الجامعات على تنويع مصادر دخلها، مع استمرار الدعم الحكومي السخي، حتى تمتلك القدرة على مواصلة رسالتها العلمية والبحثية بكفاءة واستدامة.

كما أن الدورات الاقتصادية قد تمر بمراحل ركود تستدعي إعادة ترتيب الأولويات، ومن ثم فإن وجود موارد ذاتية للجامعات يمنحها قدرًا أكبر من الاستقرار والمرونة.

وللأجيال القادمة علينا حق، ومن الوفاء بهذا الحق أن نؤسس اليوم جامعات قادرة على مواصلة رسالتها غدًا، مهما تبدلت الظروف.

وقد أثبتت التجارب العالمية نجاح هذا النموذج؛ فجامعة هارفارد تمتلك أحد أكبر الأوقاف الجامعية في العالم، وتعتمد جامعة ستانفورد على وقف ضخم يمول جانبًا كبيرًا من أنشطتها البحثية، بينما تستفيد جامعـتا أكسفورد وكامبريدج من الأوقاف والتبرعات والشراكات البحثية والاستثمارات، وهو ما منحها قدرة كبيرة على المنافسة والابتكار.

وفي عصر الاقتصاد المعرفي لم تعد الجامعات مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، بل أصبحت مصانع للمعرفة، وحاضنات للابتكار، ومراكز لإنتاج براءات الاختراع، والشركات الناشئة، والاستشارات العلمية، والتعليم التنفيذي، وهي جميعًا مصادر دخل مستدامة إذا أحسن استثمارها.

ومن هنا فإن الأوقاف الجامعية، والشراكات مع القطاع الخاص، والاستثمار في مخرجات البحث العلمي، تمثل ركائز أساسية لبناء جامعة أكثر استقلالًا وقدرة على خدمة المجتمع والوطن.

إن الجامعة التي تنتظر التمويل وحده قد تستمر، لكنها لن تسبق، أما الجامعة التي تُحسن استثمار المعرفة، وتبني أوقافها، وتُحول أفكار باحثيها إلى قيمة اقتصادية، فإنها تصنع مستقبلها بيدها، وتصبح شريكًا في صناعة نهضة وطنها لا مجرد مستفيد منها. ولعل أعظم استثمار ليس في الحجر ولا في المباني، وإنما في العقل البشري؛ فهو الثروة التي لا تنضب، والوقف الذي لا ينقطع عطاؤه. وإذا كانت الأمم العظيمة قد شيدت جامعاتها، فإن الجامعات العظيمة هي التي شيدت تلك الأمم. ومن هنا فإن بناء موارد ذاتية مستدامة للجامعات ليس خيارًا ماليًا عابرًا، بل قرارًا استراتيجيًا يضمن استقلالها، ويعزز تنافسيتها، ويجعلها أكثر قدرة على الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وصناعة مستقبلٍ يفاخر به الأبناء والأحفاد.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى