
جمال الدنيا وزينتها في ما وهبه الله للإنسان من أبناء. ويظل المرء دائم الدعاء لربه أن يهبه الذرية الصالحة. (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً). والأطفال جنة الدنيا ببراءتهم ولطف حركاتهم. ولكن الأمر لا يتوقف عند إنجاب الإنسان للأطفال وتوفير متطلبات الأكل والشرب وإنما يتعدى ذلك إلى ما هو أكثر وأهم وهي التربية أولاً وثانياً وثالثاً. فالتربية أصبحت صعبة في عصرنا الحاضر في ظل كثرة المتغيرات التي تحيط بالأطفال وضغوط الحياة وانشغال الآباء والأمهات بالعمل خارج المنزل والاعتماد على العاملات المنزليات في تواجدهن مع الأطفال معظم الوقت.
والجميع يدرك تماماً أن التربية الصالحة تثمر أسرة صالحة بل مجتمعاً صالحاً ولكن الأمر يتطلب جهوداً كبيرة ومتابعة مستمرة وتواجداً متواصلاً. فتربية الأبناء ينظر إليها بأنها تربية شاقة وصعبة ومرهقة وتحتاج إلى إتقان من قبل الآباء والأمهات. وقد يكون أسهل للشخص إنشاء مؤسسة أو شركة أو بناء مشروع تسويقي واستثماري كبير من أن يربي أطفالاً. وهناك مثل إفريقي مضمونه: (أن تربي طفلاً يعني أن تبني أمة). ولعل الأمر يظهر جلياً في مجتمعنا المسلم حيث يزخر القرآن الكريم والسنة النبوية بكثير من التوجيهات والتعليمات والإرشادات المعينة على تربية الأبناء.
وفي تصوري أن هناك أموراً ينبغي أن ينتبه لها الآباء بصورة دقيقة جداً من أجل مساعدة أبنائهم على العيش بسلام واكتساب الاتجاهات والقيم الإيجابية المناسبة خلال مراحل حياتهم المختلفة ومنها ما يلي:
• لا بد أن تدرك ابنك يمتلك شخصية منفردة ومتميزة عن الآخرين فلا يوجد طفل يشبهه تماماً في كل شيء. ولذلك فعلى الآباء أن يبتعدوا عن مقارنة أبنائهم بالأطفال الآخرين.
• من الأمور المهمة التي ينبغي الاهتمام بها هي أن الأبناء لديهم قدرات ذكائية متنوعة. ومن المهم جداً أن يحرص الآباء على معرفة أي نوع من الذكاء يمتلكه الابن ولا سيما أن بعض العلماء توصلوا إلى أن الذكاء لم يعد نوعاً أو قدرة واحدة وإنما هو عدة أنواع. فقد توصل العالم جاردنر إلى تحديد ثمانية أنواع من الذكاءات المتعددة مثل: (اللغوي ، المنطقي الرياضي، المكاني، الحركي الجسدي، الموسيقي، الاجتماعي، الشخصي والطبيعي).
• لا تحاول أن تجعل ابنك نسخة طبق الأصل منك فلديه قدرات متنوعة واهتمامات مختلفة ولذلك فامنحه الفرصة للمحاولة والخطأ والتجريب ليتمكن من الاكتشاف بنفسه ومعرفة مواهبه وقدراته والأشياء التي يحبها ويميل إليها. ومن الجميل جداً أن يكون ذلك تحت نظر الوالدين ومراقبتهما ومتابعتهما. فإذا تعرفتما على ميوله واهتماماته فساعداه على تنميتها وتطويرها سواء بتوفير المتطلبات والأدوات اللازمة وغيرها. فإذا كان يحب القراءة ويميل إلى الاطلاع فخذاه إلى المكتبة لاقتناء بعض الكتب المحببة إلى نفسه ، وإن كان يحب الرسم والفن التشكيلي فاحرصا على توفير ما يحتاجه من أقلام وألوان ، وإن كان مغرماً بالرياضة ولعب الكرة فهيأ له ذلك وفق تنظيم مدروس.
• ولعل من الأمنيات الغالية التي يحلم بها الآباء عادة هو تكوين شخصية سوية لأبنائهم سواء من الناحية الجسمية والعقلية والخلقية والصحية والاجتماعية والتربوية. ولهذا فإن على الآباء مسؤولية كبيرة في غرس القيم النبيلة في نفوس الأبناء عن طريق القدوة. فالأطفال في صغرهم يتصفون بدقة الملاحظة ويميلون إلى التقليد والمحاكاة. وهنا تتشكل أهمية القدوة من الوالدين ليعكسوا بذلك صورة مثلى للأبناء في تمثلهم للقيم الحميدة والصفات الرائعة. وبعدها يأتي دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية والتربوية الأخرى ممثلة في المسجد والمدرسة والإعلام والنوادي الرياضية إلى غير ذلك. كذلك يتضح دور المربي والمعلم القدوة الذي يحفز الأطفال إلى ممارسة السلوكيات الإيجابية والممارسات المقبولة.
وفي الواقع فإن القيم الحميدة تعد من أجمل وأعظم الهدايا التي ينبغي بل يجب أن يقدمها الوالدان لأبناهم. لكن في حالة الأب المشغول جداً والمنهمك في عمله بصورة متواصلة وكثير التنقل والسفر وكذلك في حالة انشغال الأم كيف يمكن أن يوفرا لأبنائهما مثل هذه البيئة الإيجابية والسوية التي تمثل القيم النبيلة صورة مثالية لها وهدية قيمة للأبناء؟
ومن هنا يضح لنا أهمية تخصيص جلسة عائلية يومية في حدود ساعة زمنية أو أقل أو أكثر يجتمع خلالها جميع أفراد الأسرة ولا ينبغي أن يتخلف عن حضورها أحد منهم إلا في أضيق الحدود. ويتم وضع أجهزة الجوال والمحمول وغيرها جانباً أو إغلاقها تماماً. ولهذه الجلسة إيجابيات كثيرة تتاح خلالها الفرص لممارسة وتطبيق عدة أمور منها:
• تقوية قيم المحبة والأخوة والاحترام والتقدير بين أفراد الأسرة.
• تعرف اهتمامات الأبناء وميولهم ومواهبهم من أجل إيجاد الوسائل التي تعزز مثل تلك الاهتمامات.
• إتاحة الفرصة لتشكيل بيئة سوية يسودها النقاش الموضوعي والحوار الهاديء وإعطاء المجال لكل ابن من الأبناء للتعبير عن مشاعره وأحاسيسه ومشكلاته.
• تعزيز مهارات الاستماع والإنصات الجيد للأبناء واكتشاف ما لديهم من معاناة أو عوائق صحية أو تعليمية أو اجتماعية لمساعدتهم على حلها واجتيازها.
• إكساب الأبناء مهارات الجرأة والمبادأة والمبادرة في الحديث والتعبير عما يجول بخواطرهم وإثارة التساؤلات التي تشغل بالهم وتقلق تفكيرهم لمحاولة إيجاد الإجابات الشافية والمقنعة لتساؤلاتهم.
• إتاحة الفرصة للوالدين لإعطاء أبنائهم جرعات من التوجيهات والإرشادات التي تساعدهم على السير في حياتهم بصورة إيجابية.
• تعليم الأبناء كيفية التعبير عن قيم الشكر والامتنان لله أولاً ثم لوالديهم ولمعلميهم ولقيادتهم ولوطنهم وللناس الذين يتعاملون معهم.
• تشجيع الأبناء على النجاح والتقدم في دراستهم وتحقيق طموحاتهم من خلال المحاولات المستمرة والتجربة المتواصلة وعدم الركون إلى الإحباط والفشل وبعد الوالدين عن استخدام عبارات النقد والاستخفاف بقدرات أبنائهم. وحفزهم إلى أن أي محاولة يقوم بها الابن فهي فرصة ذهبية للتعلم. فكلما حاولت كلما حققت النجاح.
• منح الأبناء الفرصة للإبداع واستخدام قدراتهم التفكيرية بصورة مستمرة.
• محاولة إكساب الأبناء قيم العمل الاجتماعي والخيري والتطوعي من خلال حب مساعدة الفقراء والمحتاجين ورعاية كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والقيام بزيارات للجهات الخيرية والمستشفيات إلى غير ذلك.
ولعل مثل هذه الجلسة العائلية تصبح عادة يومية في جدول كل أسرة مثل الوجبة الغذائية اليومية. حفظ الله جميع الأبناء وأصلحهم وأنبتهم نباتاً حسناً وجعلهم قرة عين صالحة لوالديهم.