المقالات

رحيل صالح الصيرفي.. أثر لا يغيب

لا تُقاس أعمار الرجال بعدد السنوات التي عاشوها، بل بما تركوه من أثر في الناس، وما غرسوه من قيم، وما شيدوه من أعمال تبقى شاهدة بعد رحيلهم. ومن هؤلاء الذين تستحق سيرتهم أن تُروى، الشيخ صالح حمزة صيرفي، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد ظهر الخميس 24 محرم 1448هـ الموافق 9 يوليو 2026م، تاركًا خلفه إرثًا يتجاوز التجارة والعقار إلى ميادين البر والعطاء.

وفي كلمة ألقاها الدكتور أسامة البار خلال حفل تكريم الشيخ صالح، رسم صورة متكاملة لرجل لم يكن مجرد اسم في عالم المال، بل امتدادًا لأسرة مكية ارتبطت بتاريخ الصيرفة في مكة المكرمة، حين كانت مهنة الصرافة تؤدي دورًا مصرفيًا متكاملًا، من حفظ الأموال وتحويلها وإيداعها، قبل ظهور المؤسسات البنكية الحديثة.

وتوقف الدكتور البار عند نجاح الشيخ صالح في الاستثمار العقاري، مستعرضًا محطات من مسيرته، بدءًا من محلات شارع البنك الأهلي، مرورًا بامتلاك عدد من العقارات التاريخية، وصولًا إلى مشروعات بارزة مثل الصيرفي ميجا مول وجدة بارك، في رحلة جسدت رؤية استثمارية بعيدة المدى.

لكن الجانب الأكثر حضورًا في تلك الكلمة كان حديثه عن الإنسان قبل التاجر؛ إذ أكد أن قيمة الشيخ صالح الحقيقية تتجلى في أعماله الخيرية، مستشهدًا بتبرعه لبناء مركز صحي في حي العوالي، ودعمه السخي لجمعية الأطفال ذوي الإعاقة بمكة المكرمة، إلى جانب إسهاماته عبر مؤسسة “المداد” في رعاية الأنشطة الثقافية والتاريخية، بما يعكس مفهوم المسؤولية الاجتماعية بمعناه العملي.

وربما تبدو كلمات التكريم اليوم أكثر وقعًا بعد رحيله؛ فهي لم تكن احتفاءً بإنجازات رجل أعمال فحسب، بل توثيقًا لسيرة إنسان آمن بأن المال وسيلة لخدمة المجتمع، وأن البصمة الحقيقية تُصنع بالعطاء لا بالثروة وحدها.

لقد رحل الشيخ صالح حمزة صيرفي، لكن ما تركه من مشروعات، وأوقاف، ومبادرات إنسانية، سيظل شاهدًا على أن الرجال يرحلون، بينما تبقى أعمالهم الصالحة تتحدث عنهم، وتخلد أسماءهم في ذاكرة المجتمع.

رحم الله الشيخ صالح حمزة صيرفي، وغفر له، وأجزل له المثوبة، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان، وجعل ما قدمه من خير في ميزان حسناته.

د. أسامة البار

• عميد معهد خادم الحرمين بجامعة أم القرى أمين العاصمة المقدسة سابقًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى