من غرائب النفس البشرية أن كثيراً من الناس لا يكتشفون فضائل الإنسان إلا بعد غيابه، ولا يفيضون بجميل القول فيه إلا عندما يُحمل على الأعناق. وكأن كلمات التقدير مؤجلة دائماً إلى ما بعد الرحيل، بينما كان صاحبها في حياته أحوج ما يكون إلى كلمة وفاء أو موقف صادق أو سؤال يخفف عنه مرارة المرض أو ضيق الأيام.
ومن أشهر الشواهد في تراثنا ما نُقل عن جرير حين قال في هجاء غريمه الفرزدق:
«إذا مات الفرزدق فارجموه
كرجم الناس قبر أبي رغال».
غير أن جرير، عندما مات الفرزدق، نسي مرارة الخصومة، ورثاه بقصيدة صادقة قال فيها:
«لعمري لقد أشجى تميماً وهدّها
على نكبات الدهر موتُ الفرزدق».
فما كان بينهما من تنافس لم يمنع الاعتراف بقيمته بعد وفاته، وهو موقف يكشف أن الحقيقة كثيراً ما تتغلب على الخصومة عندما يسكت صوت الحياة.
ولم تكن هذه الظاهرة وقفاً على العرب؛ فقد نُسب إلى دوستويفسكي قوله: «الجميع لديهم شيء جميل يقولونه عنك، لكنهم ينتظرون حتى تموت». وهي عبارة، سواء صحت نسبتها إليه أم لا، تعبر عن سلوك إنساني يتكرر في مختلف الثقافات.
وفي تراثنا شواهد أخرى تؤكد المعنى؛ فقد قيل: «اذكروا محاسن موتاكم»، وهو توجيه نبيل يحث على الإنصاف بعد الوفاة، لكنه لا يعني أن نؤجل التقدير حتى يغيب أصحابه. كما قال الإمام الشافعي: «ما ناظرت أحداً إلا وتمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه»، وهو نموذج في إنصاف الأحياء قبل الأموات.
وكم رأينا من يتزاحمون على حمل نعش زميلهم، ويغمرون المجالس بالثناء عليه، بينما كانوا في أيام مرضه لا يزورونه، وفي أوقات شدته لا يسألون عنه. إن الوفاء الحقيقي لا يُقاس بعدد كلمات الرثاء، وإنما يُقاس بالمواقف في زمن الحاجة.
وقد صدق الشاعر حين قال:
«أدركت أن الناس شبه معادن
منها الرخيص وكذا الثمين الغالي».
فالناس معادن، كما جاء في الحديث الشريف: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة»، وتظهر معادنهم الحقيقية في مواقف الوفاء قبل أن تظهر في كلمات الرثاء.
إن أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن نحب ليس باقة ورد على قبره، بل كلمة تقدير في حياته، وسؤالاً عنه في مرضه، ووقفة صادقة في أوقات ضعفه. فالقلوب تُسعدها كلمات الوفاء وهي تنبض بالحياة، أما بعد الرحيل فلا يبقى إلا الحسرة على ما لم يُقل، وما لم يُفعل.


