كتاب الرأي

العهد بين المعرفه، والإرادة والعمل

متى يكون العمل صحيحًا حقًا؟ هل حين يستوفي شروطه الظاهرة، أم حين يستقيم ما وراءه قبل أن تمتد إليه اليد؟

سؤال يبدو عابرًا، غير أنه يمس كل موضع وُضع فيه الإنسان مؤتمنًا على مسؤولية؛ الطبيب مع مريضه، والقاضي مع حكمه، والمعلم مع طلابه. فالمعرفة وحدها لا تصنع عملًا، والعمل وحده لا يشهد لصاحبه، وما بينهما منزلة خفية لا تقع عليها عين، ويقوم عليها كل شيء.

ولهذا كانت الصلاة أصدق ما يُحتكم إليه عند التأمل في معنى الالتزام. ففيها علم يُتلقى: شروطها، وأركانها، ومبطلاتها. وفيها سر لا يطّلع عليه أحد: النية، والإخلاص، وحضور القلب. ثم يأتي الأداء شاهدًا على ما سبق؛ قيامًا، وركوعًا، وسجودًا، ولا ينهض واحد منها مقام الآخر.

من عرف أحكام الصلاة وغابت نيته، لم يُكتب له ما قصد، ومن صدقت نيته وأهمل أداءها، بقيت صلته منقوصة. فكأن العبادة، منذ أول أمرها، تعلّم الإنسان أن كمال العمل يقوم على اجتماع العلم، والقصد، والفعل.

وما يجري في العبادة، يجري في كل أمانة يحملها الإنسان. فكم من معلم يحفظ المنهج، ثم يغادره طلابه وقد فقدوا شغف المعرفة، وكم من مسؤول يوقّع اللوائح جميعها، ثم لا ينعكس من توقيعه أثر في حياة من يعملون معه.

العقول هنا لم تكن فقيرة، والأعمال لم تكن غائبة، وإنما اختل ذلك الخيط الذي يصل المعرفة بالفعل. ولهذا شغلت العلاقة بين المعرفة، والاتجاه، والممارسة مدارس الإدارة والسلوك المهني عقودًا طويلة.

فالتصور الشائع يقول إن الإنسان إذا تعلّم، استقام موقفه، وإذا استقام موقفه، استقام عمله، حتى بدا ذلك كأنه قانون لا يحتاج إلى برهان. غير أن الإنسان لا يسير دائمًا على الطريق الذي ترسمه النظريات.

في العشرين من يونيو الماضي، أعادت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية التذكير بأن الالتزام بأخلاقيات المهنة واجب أوجبه النظام، وأكدته اللائحة التنفيذية. وذلك تذكير في موضعه؛ فالأنظمة لا تستغني عن التذكير، والواجبات لا تُترك للذاكرة وحدها.

غير أن السؤال يبقى حاضرًا: هل يكفي أن يعرف الإنسان ما يجب عليه حتى يريده؟

لو كان العلم وحده يورث الإرادة، لاستقرت الأخلاق كلما ازدادت الدورات، ولما بقي للتذكير موضع بعد اكتمال المعرفة. فالأنظمة تحرس الأفعال، أما الضمائر فلا حارس لها إلا أصحابها.

وفي عام 2025، نشرت مجلة التمريض بجامعة المنصورة دراسة تناولت الممارسة القائمة على البينة العلمية لدى مئة وعشرين من الأطباء والممرضين والصيادلة في أحد المستشفيات المتخصصة.

وكشفت النتائج عن ضعف في المعرفة لدى أكثر من ستة من كل عشرة من المشاركين، وانخفاض أشد في القدرة على التطبيق، إذ صُنّف نحو ثمانية وتسعين من كل مئة منهم على أنهم غير أكفاء.

ثم جاء الرقم الذي يستوقف المتأمل أكثر من غيره؛ فقد أظهر ثلثا المشاركين تقريبًا اتجاهًا إيجابيًا نحو هذه الممارسة، على الرغم من تواضع معرفتهم بها.

وتلك النتيجة لا تنقض قيمة المعرفة، وإنما تكشف أن القلب لا ينتظر اكتمال العلم حتى يميل، كما أن العلم لا يضمن وحده أن يميل القلب.

وهنا تتجلى حقيقة يعرفها كل من عاش بين الناس؛ فالتعليم يوسّع المدارك، والتدريب يصقل المهارة، أما الإرادة فلها منابع أخرى تمتد إلى الضمير، والقيم، والتربية، وما يختاره الإنسان لنفسه حين يغيب الرقيب.

وفي القطاع الصحي، يزداد هذا المعنى ثقلًا؛ فالخطأ لا يرهق ميزانية فحسب، ولا يؤخر مشروعًا، وإنما قد يغيّر حياة إنسان، أو ينهيها. ولهذا ظل السعي إلى الصفر في الأخطاء غاية لا يجوز التنازل عنها، مهما قيل عن صعوبة الطريق.

وعند هذه النقطة، يعود الذهن إلى الصلاة مرة أخرى. فهي لم تُبنَ على معرفة مجردة، ولا على نية مجردة، ولا على حركة مجردة، وإنما اجتمعت فيها الثلاثة، فاستقام العمل.

وربما كان في ذلك درس يتجاوز العبادة إلى كل مهنة، وكل مسؤولية، وكل عهد يحمله الإنسان. فالإنسان لا يُسأل يومًا عما كان يعرفه فحسب، ولا عما كان يفعله فحسب، وإنما عما قامت عليه أفعاله قبل أن تُرى.

فكم من عمل اكتمل في أعين الناس، وظل ناقصًا عند صاحبه؛ لأنه افتقد ذلك العهد الذي يبدأ في القلب، ثم تستدل عليه الجوارح

عواطف محمد الشليح

مقيم داخلي معتمد جائزة الملك عبدالعزيز • خبير استراتيجي في الجودة والحوكمة وإدارة المشاريع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى