كتاب الرأي

نحن لا نفتقد الوقت… بل نفتقد المعنى

منذ أن فتح الإنسان عينيه على هذه الدنيا، وهو يخوض سباقًا مع الزمن. في طفولته يستعجل الكِبر، وفي شبابه يطارد الأحلام، وفي كهولته يفتش عن الطمأنينة، فإذا بلغ من العمر عتيًا، التفت إلى الوراء متعجبًا: كيف مضت السنوات!

ولعل أكثر عبارة تتردد على ألسنتنا في هذا العصر هي: ” لا وقت لدي.” نرددها ونحن نؤجل زيارة والدٍ اشتاق إلى حديث أبنه، أو نعتذر عن لقاء صديق فرّقت بيننا الأيام، أو نؤخر قراءة كتاب طالما تمنينا أن نفتحه. حتى أصبح الوقت، في نظرنا، خصمًا لا يُهزم، وسارقًا لا يرحم.

لكن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا.

فالوقت لم يبخل علينا بشيء. ما زالت الشمس تشرق كل صباح بالقدر نفسه، وما زال الليل يمنحنا ساعاته ذاتها، وما زالت الأيام تتعاقب منذ آلاف السنين دون أن تنقص منها دقيقة واحدة. الذي تغيّر ليس الزمن، بل نحن. لقد تغيرت طريقة عيشنا له، وأصبحنا نستهلك أعمارنا في مطاردة تفاصيل لا تمنح أرواحنا ما تستحقه من سكينة.

أصبحنا نحسب النجاح بما أنجزناه، لا بما شعرنا به. نقيس أيامنا بعدد الاجتماعات، والرسائل، والمهام التي أتممناها، بينما لم نسأل أنفسنا هل عشنا هذا اليوم حقًا! هل أضفنا إلى حياتنا معنى! وهل تركنا في قلب أحدهم أثرًا جميلًا!

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس ازدحام جدول أعماله، وإنما فراغ روحه. فقد يمضي يوم كامل دون أن يجلس مع نفسه دقائق قليلة، ودون أن يتأمل نعمة أنفاسه، أو يشكر الله على ما بين يديه، أو يرفع هاتفه ليسأل عن قريب انقطعت أخباره.

وليس المعنى كلمة تُكتب، ولا فكرة تُقال، بل هو إحساس يجعل للحياة طعمًا مختلفًا. قد يجده أب وهو يحتضن ابنه بعد يوم عمل طويل، أو أم ترى ثمرة تعبها في نجاح أبنائها، أو معلم يكتشف أن كلمة قالها قبل سنوات ما زالت تعيش في قلب أحد طلابه، أو طبيب يرى ابتسامة مريض عاد إليه الأمل. تلك اللحظات لا يذكرها التاريخ في عناوينه، ولكنها هي التي تصنع تاريخ الإنسان الحقيقي.

ولأننا نعيش في زمن السرعة، أصبحنا نظن أن البطء خسارة، مع أن أجمل الأشياء لا تولد على عجل. الشجرة تحتاج سنوات حتى تثمر، والكتاب يحتاج صبرًا حتى ينضج، والصداقة تحتاج مواقف حتى تترسخ، والإنسان نفسه يحتاج تجارب حتى يكتشف من يكون.

ولعل المشكلة ليست أننا نركض، بل أننا لا نعرف دائمًا إلى أين. نصل إلى أهداف كثيرة، ثم نفاجأ بأنها لم تمنحنا السعادة التي وعدتنا بها. نحقق ما كنا نحلم به، ثم نبحث عن حلم جديد، لأن النفس البشرية لا يشبعها الإنجاز وحده، بل يشبعها الإحساس بأن لهذا الإنجاز غاية تتجاوز صاحبها.

إن المعنى هو أن تستيقظ كل صباح وأنت تعلم أن وجودك يصنع فرقًا، ولو كان صغيرًا. أن تكون سببًا في ابتسامة، أو في علم ينتفع به، أو في كلمة ترفع معنويات إنسان أنهكه الطريق. فالذين يغيرون العالم ليسوا دائمًا أصحاب المناصب الكبرى، بل قد يكونون أشخاصًا عاديين، أدركوا أن قيمة الانسان فيما يمنحه، لا فيما يملكه.

وحين نتأمل سير العظماء، نجد أنهم لم يخلدوا لأنهم عاشوا أعمارًا أطول من غيرهم، بل لأنهم ملأوا أعمارهم بالمعنى. تركوا فكرة تنير العقول، أو عملًا ينفع الناس، أو خلقًا بقي حيًا بعد رحيلهم. فالخلود الحقيقي ليس أن يطول العمر، وإنما أن يطول الأثر.

وربما لهذا السبب، حين يقترب الإنسان من نهاية رحلته، لا يسأل نفسه كم اجتماعًا حضر، ولا كم صفقة أبرم، ولا كم رسالة أجاب عنها. بل يتساءل: هل أحببت بما يكفي! هل سامحت من اساء الي! هل كنت ابنًا بارًا، وأبًا حاضرًا، وصديقًا وفيًا! وهل تركت خلفي ما يجعل غيابي أقل قسوة على من احبوني!

أحبائي: ليس الأمر جلد ذات، إنما الحياة أقصر من أن تُهدر في سباق لا نهاية له، وأوسع من أن تُختزل في قوائم المهام. إنها فرصة لنصنع أثرًا، ونغرس خيرًا، ونمنح من حولنا شيئًا من أنفسنا قبل أن نمضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى