كتاب الرأي

تجارةٌ مع الله… بدأت بغرفة وانتهت بآلاف القلوب

في المدن الكبرى، تُقاس قيمة العقارات بالأرقام، ويُحسب ثمن كل قدم مربع بلغة السوق والاستثمار والعائد المالي. أما عند الله، فهناك مقياس آخر لا تعرفه أسواق الدنيا؛ فقد تتحول غرفة صغيرة إلى باب من أبواب الجنة، وقد يصبح مبنى كامل صدقةً جارية، ما دام فيه قلب يهتدي، أو إنسان يتعلم، أو نفس تجد طريقها إلى الله.

قبل أقل من عام، كنا نحمل حلمًا بسيطًا، لكنه كبير في معناه؛ أن يكون في قلب لندن مركز يحتضن المسلمين الجدد، يعلّمهم دينهم، ويمنحهم الشعور بأنهم ليسوا وحدهم بعد أن اختاروا الإسلام. لكن بين الحلم والواقع كانت تقف عقبة كبيرة؛ فالإيجارات في وسط لندن من الأعلى في العالم، وكانت إمكاناتنا المتواضعة لا تسمح حتى بالتفكير في مكان يليق برسالة هذا المشروع.

وفي الوقت نفسه، كنت أبحث عن غرفة صغيرة أضم إليها مكتبتي الخاصة، بعد أن ضاقت الكتب بكل زاوية في بيتي.

وهنا ساق الله إلينا رجلًا كريمًا، هو الأستاذ نظمو ڤيراني.

كان لقاؤنا الأول يدور حول استئجار غرفة أضع فيها كتبي، ولم يكن في ذهني يومها أن الأمر سيتجاوز ذلك.

لكن ما إن حدثته عن رؤيتنا لإنشاء مركز لخدمة المسلمين الجدد، حتى تغيّر الحديث كله. لم يطلب دراسة جدوى، ولم يسأل عن العائد المالي، ولم يناقش قيمة الإيجار أو مدة العقد، بل اكتفى بأن عرف أن المشروع يُراد به وجه الله، وخدمة رجال ونساء اختاروا الإسلام ويحتاجون إلى من يأخذ بأيديهم.

ثم حدث ما لم أكن أتوقعه.

استدعى مدير المبنى، وقال له بكل هدوء وثقة:

“سلِّم المفاتيح للدكتور… من اليوم هو المسؤول هنا.”

كانت لحظة مؤثرة لن أنساها ما حييت.

لم تكن مجرد مفاتيح تُسلَّم، بل كانت ثقة تُمنح، وأمانة تُلقى على عاتقي. شعرت يومها أنني لم أستلم مبنى، وإنما استلمت رسالة، وأسأل الله أن يعينني على أداء حقها.

ولم يمنحنا غرفة كما كنت أظن في البداية، بل خصص للمشروع مساحة تقارب ثلاثة آلاف قدم مربعة في قلب لندن، في واحدة من أغلى مناطق العاصمة البريطانية.

لم ينظر إلى قيمة العقار…

بل نظر إلى قيمة الرسالة.

ولم يرَ الجدران…

بل رأى الأرواح التي يمكن أن تُبنى بين تلك الجدران.

ولم يمضِ على افتتاح هذا المركز عامٌ كامل، حتى رأينا من بركات ذلك القرار ما يدعو إلى الحمد والخشوع.

في أقل من سنة، أصبح هذا المكان بيتًا للهداية والرحمة.

فيه أعلن رجال ونساء شهادتهم لأول مرة، ودخلوا الإسلام.

وفيه تعلّم المسلمون الجدد الصلاة، وقراءة القرآن، وأحكام دينهم.

وفيه عُقدت زيجات مباركة، وقُدمت استشارات أسرية واجتماعية، ووجد الحائرون من يسمعهم، ويطمئن قلوبهم، ويأخذ بأيديهم إلى طريق الله.

وفي شهر رمضان، امتلأت أروقته كل ليلة بموائد الإفطار، وصلاة التراويح، وتلاوة القرآن، واجتمع فيه مسلمون من شتى الجنسيات والخلفيات، يجمعهم الإيمان، وتجمعهم أخوة لم تكن لتوجد لولا فضل الله، ثم هذا العمل المبارك.

وأنا أتأمل كل ذلك، أدركت أن الأستاذ محمد فاتح ربما لم يكن يتخيل، يوم سلّم المفاتيح، أن كل سجدة تُقام في هذا المكان، وكل آية تُتلى، وكل مسلم جديد يجد فيه طريقه إلى الله، وكل دمعة توبة، وكل دعاء يرتفع في جوف الليل، سيكون له – بإذن الله – نصيب من أجره.

وهنا فهمت معنى قول الله تعالى:

﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.

فكثير من الناس ينظر إلى العقار على أنه استثمار يزداد ثمنه مع الأيام، أما هو فقد نظر إليه على أنه استثمار يزداد أجره مع الأيام.

هناك من يبني عمارة ليسكنها الناس سنوات، ثم يرحلون.

وهناك من يفتح بابًا للهداية، فتظل الأرواح تدخله جيلاً بعد جيل.

الأول يملك عقارًا…

أما الثاني فقد جعل من عقاره وقفًا حيًا في ميزان حسناته.

ولست أكتب هذه الكلمات لأن الرجل طلب شكرًا، أو انتظر ثناءً، فما عرفته إلا محبًا للعمل في صمت، بعيدًا عن الأضواء.

لكن ديننا علّمنا الوفاء لأهل المعروف.

قال رسول الله ﷺ:

«من أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه.»

ولذلك أكتب هذه الكلمات وفاءً، لا مجاملة.

وإقرارًا بالفضل، لا مبالغة.

ورسالةً إلى كل من أنعم الله عليه بمال أو عقار أو قدرة، أن أعظم استثمار ليس فيما نتركه لأولادنا، وإنما فيما نقدمه بين أيدينا لأنفسنا عند الله.

الأستاذ نظمو ڤيراني

أسأل الله تعالى أن يجزي أخي الكريم الأستاذ نظمو ڤيراني خير الجزاء، وأن يبارك له في ماله وأهله وعمره، وأن يجعل كل خير خرج من هذا المكان في صحيفة حسناته، وأن يكتب له أجر كل من تعلّم فيه، أو اهتدى فيه، أو صلى فيه، أو قرأ فيه كتاب الله، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

فهذه هي التجارة التي لا تعرف كسادًا…

تجارةٌ مع الله، أرباحها تبدأ في الدنيا، ولا تنتهي في الآخرة.

أ.د. فايد محمد سعيد

عضو المجلس الأوروبي للقيادات المسلمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى