ليست كل الأسماء التي تُكتب على لوحات الشوارع أسماءً عابرة، فبعضها يختصر سيرة عمرٍ كامل من البذل والعطاء، وبعضها يروي للأجيال قصة إنسانٍ عاش للعلم وخدمة الناس أكثر مما عاش لنفسه. وحين يكون المكان هو مكة المكرمة، فإن التكريم يكتسب معنىً أعمق، لأن مكة لا تحفظ في ذاكرتها إلا من كان له أثر يستحق أن يُروى.
وفي زمنٍ تتسابق فيه الأضواء نحو الشهرة العابرة، يبقى هناك رجالٌ يشقّون طريقهم بصمت، ويكتبون أسماءهم في القلوب قبل أن تُكتب على الجدران والطرقات. ومن هؤلاء معالي الأستاذ الدكتور بكري معتوق عساس، الذي بدأت رحلته طالبًا للعلم في بلاد الغربة، وانتهت به إلى أن يصبح واحدًا من أبرز رموز التعليم العالي في المملكة العربية السعودية، وأن يُخلَّد اسمه في ذاكرة مكة المكرمة.
ليست الشوارع مجرد طرقٍ تعبرها المركبات، بل هي صفحات من ذاكرة المدن، تكتب عليها الأمم أسماء من تركوا أثرًا في حياتها وأسهموا في نهضتها. وحين يُطلق اسم إنسان على أحد شوارع مكة المكرمة، فإن الأمر يتجاوز حدود التكريم الشخصي ليصبح رسالة وفاء وتقدير لقيمة العلم والعطاء وخدمة المجتمع.
ومن هؤلاء الذين استحقوا هذا التكريم معالي الأستاذ الدكتور بكري معتوق عساس، الذي بدأت رحلته من مقاعد الدراسة وشق طريقه في دروب العلم والمعرفة، حتى أصبح واحدًا من أبرز القيادات الأكاديمية في المملكة العربية السعودية والعالم الإسلامي.
غادر الدكتور بكري عساس وطنه في مرحلة مبكرة من حياته طلبًا للعلم، واختار طريقًا ليس بالسهل، فشد الرحال إلى بريطانيا، حيث واصل دراسته العليا حتى نال درجة الدكتوراه. وهناك تعرّف على تجارب أكاديمية وإنسانية متنوعة، واكتسب خبرات علمية وإدارية كان يمكن أن تفتح له أبوابًا كثيرة في الخارج، لكنه اختار أن يعود إلى وطنه ليضع ما تعلمه في خدمة بلاده وأمته.
كانت عودته عودة العالم الذي يحمل رسالة، لا عودة الباحث عن منصب أو مكسب. فعمل في مؤسسات التعليم العالي، وشارك في بناء الأجيال وصناعة المعرفة، متنقلًا بين مواقع أكاديمية وإدارية متعددة، حتى بلغ قمة الهرم الأكاديمي بتوليه إدارة جامعة أم القرى، إحدى أعرق الجامعات الإسلامية في العالم.
وجامعة أم القرى ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي جامعة ارتبط اسمها بمكة المكرمة وخدمة الحرمين الشريفين، وتخرّج فيها عدد كبير من العلماء والقضاة والدعاة وأئمة الحرمين الشريفين والقيادات الفكرية والإدارية. ومن ثم فإن قيادة هذه الجامعة تمثل مسؤولية وطنية وعلمية كبرى، وقد اضطلع بها الدكتور بكري عساس بكفاءة واقتدار، وأسهم خلال سنوات عمله في تطوير الأداء الأكاديمي وتعزيز مكانة الجامعة محليًا ودوليًا.
غير أن قيمة الرجل لا تختزل في المناصب التي تولاها، فالمناصب إلى زوال، أما الأثر فهو الباقي. وقد عُرف الدكتور بكري عساس بقربه من الناس، ودعمه للعلم والثقافة، وتشجيعه للمبادرات المعرفية، وحرصه على بناء الجسور بين الجامعة والمجتمع. كما عُرف بكتاباته ومؤلفاته وإسهاماته الفكرية التي عكست اهتمامه بقضايا التعليم والتنمية والإنسان.
لقد مثّل وطنه خير تمثيل في المحافل العلمية والثقافية، وأسهم في تقديم صورة مشرقة عن الأكاديمي المسلم الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانتماء الوطني والانفتاح على العالم. كما كان حاضرًا في ميادين العمل العام وخدمة المجتمع، مؤمنًا بأن رسالة الجامعة لا تنحصر في قاعات الدراسة، بل تمتد إلى بناء الإنسان وخدمة الوطن والإسهام في نهضته.
ولعل أجمل ما في هذا التكريم أنه يأتي من مكة المكرمة؛ المدينة التي ارتبطت بالعلم منذ أن نزل فيها الوحي، والتي ظلّت عبر القرون مقصد العلماء والطلاب والحجاج والزائرين. وحين يُكتب اسم رجل علم على أحد شوارعها، فإن الرسالة واضحة: إن العلم يبقى، وإن أثر العلماء لا يضيع، وإن الأمم الوفية تعرف كيف تكرّم أبناءها الذين خدموها بإخلاص.
إن تسمية أحد شوارع مكة المكرمة باسم الدكتور بكري عساس ليست تكريمًا لشخصه وحده، بل تكريم لقيم الاجتهاد والعلم والوفاء والعطاء. وهي رسالة إلى الشباب بأن الطريق إلى الخلود المعنوي لا يمر عبر الشهرة العابرة، بل عبر العمل الصادق وخدمة الناس وبناء المؤسسات وصناعة الأثر.
فهنيئًا لمعالي الأستاذ الدكتور بكري معتوق عساس هذا التكريم المستحق، وهنيئًا لأسرته وأصدقائه وطلابه ومحبيه، وهنيئًا لنا جميعًا أن نرى في زماننا نماذج تؤكد أن العطاء الصادق لا يضيع، وأن بعض الأسماء تُكتب أولًا في القلوب، ثم تُكتب بعد ذلك على شوارع المدن.
أما بالنسبة لي، فإن هذا التكريم يحمل معنىً خاصًا يتجاوز الخبر ذاته. فمعالي الأستاذ الدكتور بكري عساس ليس مجرد شخصية أكاديمية مرموقة أو قيادي جامعي ناجح، بل هو أخ عزيز وصديق كريم أعتز بصداقته وأفخر بمعرفته.
عرفته عن قرب، فرأيت فيه الإنسان قبل المسؤول، والتواضع قبل المنصب، والوفاء قبل الشهرة. ورأيت فيه نموذجًا نادرًا لرجلٍ كلما ارتفع قدره ازداد قربًا من الناس، وكلما تعددت مسؤولياته ازداد حرصًا على خدمة العلم وأهله.
ولذلك، حين قرأت خبر تسمية أحد شوارع مكة المكرمة باسمه، لم أشعر أن شارعًا قد سُمِّي باسم رجل، بل شعرت أن سنوات طويلة من البذل والعطاء والإخلاص وجدت من يترجمها إلى لغة الوفاء.
لقد كتب بكري عساس اسمه في قلوب محبيه وطلابه وزملائه قبل أن يُكتب على لافتة في أحد شوارع مكة المكرمة. وما الشارع إلا شاهدٌ مادي على أثرٍ معنوي سبقه بسنوات طويلة.
فهنيئًا لأخي العزيز معالي البروفيسور بكري هذا التكريم المستحق، وهنيئًا لأسرته ومحبيه وطلابه، وهنيئًا لنا جميعًا أن نعيش في زمن ما زال يحتفي بالعلم وأهله، ويكرم الرجال الذين جعلوا من المعرفة رسالة، ومن العطاء منهجًا، ومن خدمة الناس طريقًا إلى الذكر الحسن.
ورحم الله من قال: ليس الخلود أن يطول العمر، وإنما أن يبقى الأثر.
• الأمين العام للمجلس الأوروبي للهيئات والمراكز الإسلامية





