مع حلول فصل الصيف تكثر المناسبات الاجتماعية وتزدحم قاعات الأفراح والاستراحات والمجالس باللقاءات والولائم وهي في أصلها مظاهر جميلة تعكس ما يتميز به مجتمعنا من تواصل وكرم وحفاوة وإكرام للضيف غير أن بعض هذه المناسبات بدأت في السنوات الأخيرة تأخذ شكلاً مختلفًا وأصبحنا أحياناً في حيرةٍ من أمرنا حيال ما نشاهده من كرم باذخ واستعراض مبالغ فيه !!
أمام هذه الظاهرة نتساءل هل ذلك نتيجة تعدد وسائل التواصل الاجتماعي أم أنها عادات مفاخرة متأصلة لدى البعض ؟!
و الحقيقة أن المجتمعات عرفت منذ زمن بعيد التفاخر والمباهاة ومحاولة الإنسان إظهار ما يملك وما يستطيع لكن الفارق أن المباهاة كانت تنتهي قديماً بانتهاء المناسبة ويشاهدها عدد محدود من الحاضرين أما اليوم فقد أصبح الهاتف المحمول ينقل تفاصيلها خلال دقائق إلى آلاف وربما ملايين المشاهدين وهنا تحولت وسائل التواصل من وسيلة لنقل المناسبة إلى منصة للمنافسة عليها.
ولم يعد المهم عند البعض أن تكون المناسبة جميلة بل أن تبدو في الصورة أجمل وأضخم من غيرها ولم يعد معيار الكرم دائمًا مقدار ما يحتاجه الضيف وإنما ما تستطيع الكاميرا أن تنقله من موائد ضخمة وذبائح كثيرة وقاعات فخمة وصفوف طويلة من المستقبلين.
وهنا تكمن المشكلة.
فالكرم قيمة أصيلة نفتخر بها، والإسلام حث على إكرام الضيف ومجتمعنا السعودي عُرف بهذه الخصلة الحميدة منذ القدم لكن هناك مسافة واضحة بين الكرم والإسراف، وبين التكريم والمبالغة وبين الفرح والاستعراض.
فالكرم غايته إسعاد الضيوف أما الاستعراض فغايته إبهار المشاهدين.
والمشكلة الأكبر أن هذه الممارسات لا تبقى حبيسة أصحابها وإنما تتحول بفعل وسائل التواصل إلى معيار اجتماعي غير مكتوب !!!
يشاهدها الآخر فيظن أن عليه أن يفعل مثلها أو أكثر منها حتى لا يقال إن مناسبته أقل من مناسبة فلان ثم يدخل ثالث ورابع في المنافسة حتى تصبح العادة البسيطة سباقًا مرهقًا لا يعرف أحد أين ينتهي !!!
وقد يتحمل بعض الناس تكاليف تفوق إمكاناتهم لا لحاجة حقيقية وإنما خوفًا من كلام الناس أو رغبة في مجاراة الآخرين.
وهنا تصبح المسألة أكثر خطورة لأن المظاهر عندما تتحول إلى ضغط اجتماعي يدفع ثمنها من يملك ومن لا يملك.
ومن المظاهر التي تستحق الوقوف عندها كذلك الإفراط في الألقاب والمديح ( الشيخ فلان ورجل الأعمال والأفعال فلان وحاتم زمانه فلان ) !!!
التقدير جميل وإنزال الناس منازلهم من حسن الأدب لكن حين تتوزع الألقاب بلا معايير ويصبح كل شخص شيخًا أو صاحب لقب لا يمت إلى صفته الحقيقية بصلة فإننا لا نكرّم الأشخاص بقدر ما نفقد الألقاب قيمتها.
وليس من الإنصاف أن نجعل وسائل التواصل هي المتهم الوحيد فالهاتف لا يجبر أحدًا على الإسراف والكاميرا لا تطلب من صاحب المناسبة أن يتكلف فوق طاقته والمنصة الإلكترونية لا تصنع المباهاة من العدم.
وسائل التواصل لم تخترع الهياط لكنها منحته مسرحًا واسعًا وجمهورًا عريضاً .
ولهذا فإن العلاج لا يكون بإدانة التقنية وإنما بإعادة النظر في ثقافتنا تجاه استخدامها فنحن نستطيع أن نصور أفراحنا ونشارك مناسباتنا ونحتفي بمن نحب دون أن نحول حياتنا الاجتماعية إلى معرض دائم للمنافسة والمقارنة.
ومن الجميل أن يعود السؤال البسيط إلى أذهاننا قبل كل مناسبة: لمن نفعل هذا؟
هل نفعله للضيف؟ أم للكاميرا؟
هل نفرح بالمناسبة نفسها؟ أم بعدد المشاهدات التي ستحققها؟
هل نكرم الإنسان لأنه يستحق التكريم؟ أم لأن وجوده في الصورة يمنح المناسبة وجاهة اجتماعية؟
أسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها تكشف الفرق الكبير بين الفرح الحقيقي والفرح المصطنع .
مجتمعنا لا يحتاج إلى التخلي عن كرمه ولا عن عاداته الجميلة بل يحتاج إلى حمايتها من المبالغة التي تشوهها فالوليمة التي تكفي الحاضرين أكرم من مائدة يذهب نصفها إلى الهدر والكلمة الصادقة أجمل من عشرات ألقاب المجاملة والمناسبة البسيطة التي تجمع القلوب أغنى من احتفال باهظ يجمع الكاميرات.
الخاتمة : الاعتدال لا ينتقص من الكرم والحفاوة وحسن الإستقبال وبشاشة الوجه بل يحفظ لها قيمتها وهيبتها وجمالها.
• كاتب رأي و مستشار أمني



