شدّ انتباهي في الآونة الأخيرة النقاش المهني حول الموقع التنظيمي للخدمة الاجتماعية الطبية في المنشآت الصحية، ومدى أهمية بقائها مرتبطة بالبيئة العلاجية ومسار رعاية المريض. وهذا الموضوع، في رأيي، لا يتعلق بمجرد مسمى إداري أو موقع في الهيكل التنظيمي، بل يرتبط بهوية المهنة ودورها الحقيقي داخل المستشفى.
فالخدمة الاجتماعية الطبية لم تنشأ في المستشفيات لتكون عملًا إداريًا، وإنما لتكون جزءًا من الرعاية الصحية المتكاملة. والمريض لا يدخل المستشفى بمرضه العضوي وحده، بل قد يدخل ومعه مشكلات أسرية واجتماعية واقتصادية ونفسية تؤثر في مرضه وعلاجه واستمراره في الخطة العلاجية.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن الخدمة الاجتماعية الطبية ليست ممارسة حديثة داخل المستشفيات؛ فقد بدأت صورتها المهنية المنظمة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1905م في مستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن، عندما أدخل الطبيب ريتشارد كابوت الخدمة الاجتماعية ضمن رعاية المرضى، انطلاقًا من أهمية النظر إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأسرية للمريض إلى جانب حالته الصحية.
أما في المملكة العربية السعودية، فقد تم اعتماد الخدمة الاجتماعية الطبية رسميًا بوزارة الصحة بموجب القرار الوزاري رقم (3510) بتاريخ 1/12/1393هـ، الموافق تقريبًا لعام 1974م، بإنشاء قسم للخدمة الاجتماعية الطبية يتبع المديرية العامة للطب العلاجي. وهذه نقطة تاريخية مهمة؛ إذ تكشف أن التنظيم الرسمي للخدمة الاجتماعية الطبية في المملكة ارتبط منذ بدايته بالطب العلاجي.
والخدمة الاجتماعية، كما تعلمناها في الجامعات، وكما تقوم عليها برامج أكاديمية في مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، مهنة تطبيقية ذات أدوار علاجية، والأخصائي الاجتماعي يمارس التدخل المهني لمساعدة الإنسان على مواجهة مشكلاته وتحسين توافقه وأدائه الاجتماعي. وعندما يمارس هذا التخصص داخل المستشفى فإنه يصبح جزءًا من المنظومة العلاجية، وليس موظفًا إداريًا يؤدي أعمالًا مكتبية بعيدة عن المريض.
ومن هنا كان الأخصائي الاجتماعي الطبي عضوًا في الفريق العلاجي متعدد التخصصات، يعمل إلى جانب الطبيب والتمريض والأخصائي النفسي وغيرهم من الممارسين الصحيين، ولكل منهم دوره الذي يكمل الآخر. فالطبيب يتعامل مع الجانب الطبي، والأخصائي النفسي مع الجانب النفسي، بينما يتدخل الأخصائي الاجتماعي في العوامل الاجتماعية والأسرية والبيئية التي قد تؤثر في حالة المريض واستجابته للعلاج.
وطالما أن الأخصائي الاجتماعي الطبي عضو في هذا الفريق، فمن الطبيعي أن يشارك في اجتماعاته ومناقشاته المهنية حول الحالات المرضية، وأن يعرض نتائج التقييم الاجتماعي ويوضح الظروف الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية المحيطة بالمريض، وما قد يكون لها من تأثير في حالته الصحية أو التزامه بالعلاج.
كما يقوم الأخصائي الاجتماعي بتوثيق تقييمه وتدخلاته وملاحظاته المهنية في النظام الطبي الإلكتروني للمريض إلى جانب توثيق بقية أعضاء الفريق الصحي، لتصبح المعلومات الاجتماعية جزءًا من الصورة المتكاملة للحالة. وقد تكشف هذه المعلومات للطبيب عوامل لا تظهر من خلال الفحص الطبي وحده، مثل ضعف الدعم الأسري، أو العنف، أو الخلافات الأسرية، أو الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في التزام المريض بالعلاج.
ومن هنا قد تسهم المعلومات والتوصيات التي يقدمها الأخصائي الاجتماعي في تقييم الحالة واتخاذ القرار العلاجي، بل قد يكون لها أثر في تعديل مسار الخطة العلاجية أو خطة الخروج والمتابعة. وهذا دليل عملي على أن عمله مرتبط مباشرة بمسار علاج المريض، وليس عملًا إداريًا منفصلًا عنه.
ولعل من أوضح الشواهد على الطبيعة العلاجية للمهنة وجود عيادات للخدمة الاجتماعية الطبية ضمن العيادات الخارجية في بعض المنشآت الصحية، يستقبل فيها الأخصائي الاجتماعي الحالات المحالة إليه من الأقسام والتخصصات الطبية المختلفة، سواء المتعلقة بالأمراض العضوية أو الطب النفسي والصحة النفسية، وفق احتياج الحالة إلى التقييم والتدخل الاجتماعي المهني.
وفي هذه العيادات لا يمارس الأخصائي الاجتماعي عملًا إداريًا، وإنما يستقبل المريض، ويجري التقييم الاجتماعي، ويدرس ظروفه الأسرية والاجتماعية والاقتصادية، ويحدد المشكلات والعوامل المؤثرة في حالته الصحية، ثم يضع خطة التدخل المهني المناسبة بالتنسيق مع الفريق المعالج.
وتتضح الطبيعة العلاجية لهذا العمل بصورة أكبر عندما ننظر إلى نوعية الحالات التي يتعامل معها الأخصائي الاجتماعي الطبي داخل المستشفى؛ فهو يتدخل في حالات العنف الأسري، ومحاولات الانتحار، والخلافات والمشكلات الأسرية المرتبطة بالحالة المرضية، وغيرها من الحالات الاجتماعية المعقدة التي قد تؤثر في صحة المريض واستقراره واستجابته للعلاج.
ومثل هذه الحالات لا يمكن التعامل معها بمجرد إجراء إداري أو تعبئة نموذج وتحويل معاملة، وإنما تحتاج إلى تقييم اجتماعي مهني، ومقابلات وجلسات متعددة مع المريض وأفراد أسرته وأطراف المشكلة. وقد تتطلب جلسات فردية وأسرية، وتدخلًا لتخفيف حدة المشكلات والإصلاح بين الأطراف متى كان ذلك مناسبًا، إلى جانب التنسيق مع الطبيب والأخصائي النفسي وبقية أعضاء الفريق العلاجي والجهات ذات العلاقة وفق الأنظمة والإجراءات المعتمدة.
وقد تستمر هذه التدخلات عدة جلسات حتى تتحقق أهداف التدخل المهني المناسبة للحالة. وهذا بحد ذاته يوضح الفرق بين العمل الإداري والعمل المهني العلاجي؛ فالأخصائي الذي يجلس مع المريض وأسرته، ويدرس المشكلة، ويحدد أسبابها والعوامل المؤثرة فيها، ويضع خطة للتدخل ويتابع نتائجها، يمارس تدخلًا مهنيًا علاجيًا وليس عملًا إداريًا.
وهذا هو المفهوم الذي عرفناه وعملنا به سنوات طويلة في مستشفياتنا؛ فالأخصائي الاجتماعي يمر على المرضى، ويدرس الحالات المحالة إليه، ويتواصل مع الأسرة والفريق العلاجي، ويسهم في إزالة العوائق الاجتماعية التي قد تؤخر العلاج أو الخروج من المستشفى، ويشارك في التخطيط لخروج المريض ومتابعته وربطه بالموارد والخدمات المناسبة.
لذلك فإن تنظيم الخدمة الاجتماعية بطريقة تبعدها عن البيئة العلاجية أو تجعلها أقرب إلى العمل الإداري قد يؤدي مع مرور الوقت إلى إضعاف هويتها المهنية. والخشية هنا ليست من مسمى تنظيمي بعينه، وإنما من أن ينعكس الموقع التنظيمي على طبيعة عمل الأخصائي الاجتماعي، فيبتعد عن المرضى والجولات والاجتماعات العلاجية والعيادات ودراسة الحالات، وينشغل بأعمال إدارية لا تمثل جوهر تخصصه.
والتحول الصحي الذي تشهده المملكة يقوم على مفهوم الرعاية المتكاملة والتركيز على احتياجات المستفيد، وهذا يتطلب تعزيز دور التخصصات الصحية المساندة داخل مسار الرعاية. فنجاح علاج المريض لا يقاس فقط بما يقدم له من دواء أو إجراء طبي، وإنما أيضًا بقدرته على العودة إلى أسرته ومجتمعه، والالتزام بخطته العلاجية، وتجاوز الظروف الاجتماعية التي قد تعوق علاجه أو تعافيه.
كما أن متطلبات الجودة والاعتماد الصحي تؤكد أهمية التقييم الشامل للمريض، واستمرارية الرعاية، والتخطيط للخروج الآمن، والعمل ضمن فريق متعدد التخصصات، وهي مجالات للأخصائي الاجتماعي الطبي فيها دور واضح ومباشر.
إن تطوير الهياكل التنظيمية للخدمات الصحية ينبغي أن يواكبه الحفاظ على الهوية المهنية للتخصصات المختلفة وأدوارها الأساسية. والخدمة الاجتماعية الطبية مهنة ذات ممارسة مهنية وعلاجية داخل المنظومة الصحية، ومن المهم أن يبقى الأخصائي الاجتماعي قريبًا من المريض ومن الفريق المعالج، وأن تُحفظ له أدواره ومسؤولياته المهنية.
فالأساس الذي ينبغي الحفاظ عليه هو هوية الخدمة الاجتماعية الطبية وموقعها المهني المرتبط بمسار رعاية المريض، بما يضمن استمرار مشاركة الأخصائي الاجتماعي في التقييم والتدخل المهني والاجتماعات العلاجية والعيادات ودراسة الحالات والتخطيط للخروج والمتابعة.
فمكان الأخصائي الاجتماعي الطبي مع المريض، وفي عيادته، وداخل الفريق العلاجي؛ ودوره مكمل للعلاج الطبي، وليس خلف المكاتب بعيدًا عن مسار الرعاية.

