كتاب الرأي

جودة الحياة.. ما تفسده التفاصيل!

حين نتحدث عن جودة الحياة، فإن أول ما يتبادر إلى ذهن (البعض) بانها الفعاليات والمواسم الترفيهية والأحداث الرياضية، والثقافية، والمطاعم، والمقاهي! وهذا تعريف محدود المعنى! جودة الحياة مفهوم يعبر عن مستوى رفاهية الإنسان ورضاه عن مختلف جوانب حياته، ويتجاوز مجرد تلبية الاحتياجات المادية الأساسية ليشمل جوانب أخرى مثل الأمن والاستقرار، الصحة الجسدية والنفسية، البيئة والمرافق، العلاقات الاجتماعية، التعليم، العمل … إلخ. فجودة الحياة لا تُقاس فقط بما نضيفه إلى حياة الإنسان من متعة وترفيه، وإنما كذلك بما نزيله عن طريقه من منغصات. الإنسان لا يعيش في الحديقة طوال يومه، ولا يقضي أسبوعه متنقلاً بين المطاعم ودور السينما والفعاليات. معظم جودة حياته تتشكل في التفاصيل العادية جداً: الطريق الذي يسلكه إلى (ومن دوامه) اليومي، والخدمة التي يحتاجها، والموظف الذي يتعامل معه، والجهة التي يراجعها، والفاتورة التي يدفعها، والشكوى التي يقدمها، ووقت الانتظار حتى يجد من يحل مشكلته.

إن متعة حضور الفعالية (فنية أو ثقافية أو ترفيهية…) لا تبدأ عند بوابة الدخول، بل منذ لحظة التخطيط لها وانتظارها بشغف. غير أن هذه البهجة قد يعكر صفوها ارتفاع أسعار التذاكر (سواء تذاكر الفعالية أو تذاكر السفر بين مدن السعودية)، أو اختناق مروري في الطريق إليها، أو سوء في تنظيم الفعالية؛ فتفسد بعض التفاصيل تجربةً كان يفترض أن تكون مصدراً للمتعة.
وبعد ان حطمت (رؤية 2030) كثيراً من صور البيروقراطية القديمة بفضل التحول الرقمي، اختفى (الملف الأخضر) وأكوام الأوراق وصور المستندات من كثير من المعاملات، وأصبحت خدمات كثيرة تُنجز خلال دقائق، وهذا تحول يستحق الإشادة. لكن بعض المنغصات لم تختفِ، بل غيرت شكلها! فبدلاً من الانتظار أمام شباك الموظف، قد تنتظر أمام هاتفك ربع ساعة أو أكثر، تتنقل بين تفاصيل مركز الاتصال (إذا أردت كذا فاضغط واحداً، وللخدمة الأخرى اضغط اثنين، ثم تنتقل إلى قائمة أخرى وثالثة…إلخ) حتى يصبح الوصول إلى موظف يستطيع فهم المشكلة وحلها إنجازاً بحد ذاته. هنا لم تختفِ المعاناة تماماً؛ انتقلت فقط من مقر الجهة إلى غرفة الجلوس في منزلك.
ولعل المشروع الرياضي أحد أوضح الأمثلة على وجهي جودة الحياة؛ فقد غيّر المشروع صورة الرياضة السعودية، وكرة القدم تحديداً، وجعل أنديتنا وجهة لنجوم عالميين، ورفع مستوى الاهتمام بالدوري السعودي محلياً ودولياً، والأهم من ذلك أنه أدخل قدراً كبيراً من المتعة والبهجة إلى حياة ملايين المتابعين من المواطنين والمقيمين، وهذا في صميم مفهوم جودة الحياة. لكن تفاصيل مستترة بين سطور الجهات المختصة بالشأن الرياضي قد تقتل المتعة، مثل غياب الوضوح والشفافية في بعض الجوانب المالية والتنظيمية، أو تكافؤ المعايير بين الأندية، أو القرارات التحكيمية المثيرة للجدل التي قد تغير مسار مباراة أو بطولة، كلها أمور تحول المتعة إلى توتر واحتقان، بل ربما تؤدي (أحيانا) إلى وفاة من يبحث عنها! والمشجع الذي ينتظر المباراة طوال الأسبوع بحثاً عن ساعتين من المتعة، لا ينبغي أن يأوي إلى فراشه مثقلاً بأسئلة عن عدالة المنافسة أو سلامة الإجراءات. فكما أن استقطاب النجوم وتطوير الملاعب ورفع مستوى المنافسة جزء من جودة الحياة، فإن وضوح الأنظمة وشفافية القرارات التي تؤكد عدالة المنافسة (فعلا لا قولا) جزء منها أيضاً؛ لأن الرياضة صُنعت في الأصل لتضيف البهجة إلى حياة الناس، لا لتصبح مصدراً جديداً لمنغصاتها.

القفلة: –
جودة الحياة لا تصنعها الصورة الكبرى وحدها فقط؛ أحياناً تكون التفاصيل الصغيرة هي التي تجعلها أجمل. قد ننفق الكثير من الأموال لإضافة ساعة من المتعة إلى يوم الإنسان، بينما إزالة منغص واحد عن حياته قادر على توفير ساعات من التوتر كل أسبوع. لذلك فإن جودة الحياة ليست مشروعاً ترفيهياً فقط، ولا حديقة، أو ممشى، أو دار سينما ،أو مطعماً جديداً؛ إنها إدارة جيدة لتفاصيل صغيرة، أساسها الشفافية وإجراءات عمل منظمة تنتج خدمات سهلة، سعرها عادل، وموعد محترم، وحق يصل إلى صاحبه، ونظام يسري على الجميع.

عبدالإله الشريف

مستشار تنفيذي- أعمال تقنية المعلومات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى