في مجتمع لا تزال بعض أفكاره عالقة بين الماضي والحاضر، حيث تتقاطع الطموحات مع التوقعات، وجدت نفسي في نقاش رجعي مع مجموعةٍ ليست بالقليلة من الأطباء والطبيبات. فتساءلت: لماذا حين تتزوج الطبيبة من طبيب تتحول المعادلة الى اختبار غير عادل للأمومة؟ ويكون السؤال دائمََا: كيف ستتكيّف هي؟ بدلََا من كيف سينجحان معََا؟
أعني لماذا يصبح طموحها عبئََا يجب تخفيفه، بدلََا من أن يكون هدفََا يجب دعمه؟
ففجأة تصبح أحلامها قابلة للنقاش وخططها المهنية مرنة أكثر مما ينبغي! ويُفتح ملف بعنوان: (الى أي حدٍ تستطيع فيه الطبيبة أن تكون أمََا جيدة دون أن تكون طموحةََ أكثر من اللازم؟) وبإجحاف غير مستغرب، لا نجد من يطرح السؤال ذاته على الأطباء.
فلم نرى شخصََا يوجه أسئلة للجراحين مثل: ” هل فكرت بأن تخصصك قد يؤثر على أبوتك؟” أو ” ربما عليك اختيار تخصص أقل تطلبََا لتكون أبََا وزوجََا أفضل؟”
بل على العكس، نحن لا نشكك في حب الطبيب لعائلته حين يعمل ٨٠ ساعة أسبوعيََا لأننا نفترض وجود نظامٍ داعم حوله، امرأة في الخلف تهتم بالتفاصيل اليومية وتحمل الأعباء التي لا تظهر في السيرة المهنية.
فلماذا نفترض العكس حينما تكون الطبيبة هي صاحبة الحلم؟ بل إن أقسى الأحكام توجه الى الطبيبات وخصوصََا الجراحات، حتى أصبحت هذه الأفكار إحدى مداخل شيطنة عمل الطبيبة في مجتمعنا. بل حتى وقت قريب كان وجود الطبيبات في غرف العمليات شبه معدوم، رغم حاجة كثير من المريضات لذلك!
لكن ماذا لو قُلبت الكفة؟ ماذا لو، بدلا من أن نوجه النصائح للطبيبة بدأنا نوجه الأسئلة للطبيب الذي اختار شريكة تشبهه في الطموح؟
ماذا لو قلنا له: كيف ستصنع مساحة لحلمها كما تصنع لحلمك؟ كيف ستشاركها ليتلي التعب وليس فقط نجاحات النهار؟ كيف ستعيد تعريف الأبوة ليس كمساندة لها، بل كشراكة حقيقة معها؟
لأن الحقيقة التي لا تقال بصوتٍ عالً هي أن المشكلة لم تكن يومََا في تخصصها، ولا في قدراتها ولا حتى في الأمومة نفسها؛ بل في تعريفنا للأمومة وفي أنظمة العمل المجحفة بحق الأمهات وفي المعايير المزدوجة التي نحاسب بها المرأة والرجل بطريقة مختلفة. فنحن نريد منها أن تكون طبيبة ناجحة بلا انقطاع، وأمََا حاضرة بلا تقصير، وزوجة داعمة بلا شكوى. ثلاث وظائف بدوام كامل دون الاعتراف بأنها كذلك! وبين كل هذا، يقترح عليها بضغط من الجميع أن تختار تخصصا “أهدأ رتمََا” يناسب أمومتها التي فُصلت لها. وكأن الطموح يمكن تهذيبه والشغف يمكن إعادة جدولته!
هل المشكلة حقا في تخصص مثل النساء والولادة أو الجراحة؟ أم في فكرة أن نجاحها يجب أن يكون مشروطََا دائمََا؟ وكأن القاعدة غير المكتوبة تقول أن الطبيبة الناجحة لابد أنها دفعت ثمن نجاحها من حياتها الزوجية وأمومتها. لكن الحقيقة أننا لا نخاف على الأمومة بقدر خوفنا من امرأة لا تقبل أن تُختزل فيها. وربما لهذا السبب، بدلا من أن نعيد صياغة دورة الرجل، نستمر في إعادة تشكيل دور المرأة؛ طالبين منها أن تتكيف، وتتنازل، وتوازن وكأنها آلة مصممة وفق توقعاتنا! لكن ماذا لو لم يكن التوازن مهارة فردية؟ ماذا لو كان قرارا مشتركََا؟ ماذا لو كانت الأمومة لا تحتاج امرأة خارقة، بل شريكََا حاضرََا؟ شريكََا يفهم أن دعمها لا يعني “مساعدتها”، بل يعني القيام بدوره أيضََا. أن البيت ليس مسؤوليتها التي يشارك فيها، بل مسؤولية مشتركة بينهما. وأن نجاحها لا يهدد رجولته، بل يكمل إنسانيته.
وفي النهاية، أجد نفسي أتساءل، ليس عن قدرة المرأة على أن تكون أمََا وطبيبة فالواقع مليء بإجابات تثبت ذلك، لكن عن قدرتنا نحن كمجتمع على أن نكون أكثر عدلََا في الأسئلة التي نطرحها والنصائح التي نقدمها.
هل نريد طبيبات أقل طموحََا؟ أم رجالََا أكثر شراكة؟
هل المشكلة في تخصصها؟ أم في توقعاتنا منها؟
وربما السؤال الأصدق على الإطلاق: متى نتوقف عن تعليم المرأة كيف تتنازل ونبدأ بتعليم الرجل كيف يشارك؟