تشهد المملكة العربية السعودية مرحلة استثنائية من التحول والتطوير تقودها رؤية المملكة 2030، التي أعادت تعريف مفهوم الأداء الحكومي، ورسخت ثقافة الكفاءة، وجودة الخدمات، وتعظيم الأثر. وأصبح التحول المؤسسي اليوم ضرورة استراتيجية لكل جهة تسعى إلى رفع كفاءتها، وتعزيز قدرتها على تحقيق مستهدفاتها، والاستجابة لمتطلبات المستقبل. غير أن نجاح التحول المؤسسي لا يُقاس بحجم التغيير، بل بجودة نتائجه. فليس كل تغيير يمثل تطويراً، كما أن كل إعادة هيكلة لا تعني بالضرورة تقدماً. فالتغيير الذي يضيف طبقات إدارية أكثر مما يضيف قيمة، أو يغيّر المسميات أكثر مما يحسن الأداء، قد يقود – من حيث لا يشعر القائمون عليه – إلى ترهل تنظيمي يستهلك الموارد، ويبطئ الإجراءات، ويضعف قدرة الجهة على تحقيق أهدافها. ومن هنا تكمن أهمية التمييز بين التحول المؤسسي الحقيقي والتغيير الشكلي. فالتحول الحقيقي يبدأ بفهم التحديات التي تواجه الجهة، ثم إعادة تصميم العمليات والإجراءات بما يرفع الكفاءة ويحسن الأداء، أما التغيير الشكلي فينشغل بإعادة رسم الهياكل التنظيمية، واستحداث الإدارات، وتغيير المسميات، دون أن ينعكس ذلك على جودة الخدمة أو سرعة الإنجاز أو رضا المستفيد.
إن الهيكل التنظيمي ليس غاية في ذاته، وإنما أداة لخدمة أهداف الجهة. وكلما أصبح الهيكل أكثر تعقيداً من الحاجة الفعلية، تحوّل من وسيلة لدعم الأداء إلى عبء يعيق الإنجاز. ولهذا فإن نجاح أي مشروع للتحول لا يقاس بعدد الإدارات التي أُنشئت، ولا بعدد المناصب التي استُحدثت، وإنما بقدرته على اختصار الإجراءات، وتسريع اتخاذ القرار، وتمكين الموظفين، وتحسين تجربة المستفيد. وتحذر الأدبيات الإدارية من ظاهرة التضخم التنظيمي، وهي التوسع غير المبرر في الوحدات التنظيمية، والمستويات الإشرافية، واللجان، وخطوط الاعتماد، بما يتجاوز الاحتياج الحقيقي للعمل. وخطورة هذه الظاهرة أنها لا تظهر فجأة، بل تتسلل تدريجياً حتى تصبح جزءاً من ثقافة العمل، ثم تنتهي إلى الترهل التنظيمي؛ حيث تتداخل الاختصاصات، وتتعدد المرجعيات، وتتراجع سرعة الإنجاز، بينما ترتفع التكاليف ويزداد العبء الإداري دون قيمة مضافة. ولعل أبسط معيار للحكم على نجاح أي مشروع للتحول المؤسسي هو طرح أسئلة مباشرة وواضحة: هل أصبحت رحلة المستفيد أقصر؟ وهل أصبح الموظف أكثر قدرة على الإنجاز؟ وهل انخفض زمن اتخاذ القرار؟ وهل تراجعت الازدواجية في الاختصاصات؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي، فمن المشروع أن نتساءل: هل حققنا تحولاً مؤسسياً حقيقياً، أم اكتفينا بإعادة ترتيب الهياكل والمسميات؟
ولا يتوقف أثر التحول عند الهياكل والإجراءات، بل يمتد إلى بناء القيادات. فمن المفارقات التي تتكرر في بعض الجهات أن تتغير الإدارات، وتُستحدث قطاعات جديدة، بينما تبقى القيادات ذاتها تنتقل من موقع إلى آخر، وكأن عملية التغيير تقتصر على تبديل المقاعد أكثر من تجديد الفكر. وليست المشكلة أن يبقى الشخص في موقعه إذا كان الأكفأ، وإنما أن تبقى المواقع حكراً على الأشخاص أنفسهم، وكأن الجهة لم تُنجب غيرهم. فالإبقاء على الكفاءات المتميزة أمر مطلوب، لكن تحويل القيادة إلى دائرة مغلقة لا يدخلها إلا عدد محدود من الأسماء، يضعف المنافسة، ويقتل روح المبادرة، ويبعث برسالة محبطة إلى الكفاءات الشابة مفادها أن الاجتهاد وحده لا يكفي، وأن الطريق إلى القيادة قد تحكمه اعتبارات أخرى لا علاقة لها بالجدارة. ولا يعني ذلك أن تغيير القيادات هدف في حد ذاته، كما أن بقاءها ليس عيباً في ذاته، فالمعيار الحقيقي هو الكفاءة، والإنجاز، والقدرة على مواكبة متطلبات المرحلة. غير أن استمرار تدوير المناصب بين الأسماء نفسها، رغم وجود كفاءات قادرة على تحمل المسؤولية، يستدعي مراجعة معايير الاختيار، لأن العدالة في إتاحة الفرص ليست مطلباً وظيفياً فحسب، بل ركيزة من ركائز التحول المؤسسي الناجح. ومن هنا فإن نجاح التحول يرتبط بما يمكن أن نطلق عليه: “النضج المؤسسي”؛ وهو قدرة الجهة على أن تجعل نجاحها غير مرتبط بأشخاص بعينهم، بل بمنظومة عمل متكاملة تقوم على الحوكمة، والشفافية، والجدارة، واستدامة بناء القيادات، بحيث تستمر في تحقيق أهدافها مهما تغيرت الأسماء أو تعاقبت الإدارات.
وفي الختام؛ فإن من التحديات التي قد تواجه بعض مشاريع التحول المؤسسي غياب الشفافية في التعامل مع العاملين، مما يجعلهم منشغلين بمستقبلهم الوظيفي، ويولد لديهم حالة من القلق وفقدان الثقة، وقد يدفع بعضهم إلى مقاومة التغيير أو تمني تعثره، ليس رفضاً للتحول ذاته، وإنما نتيجة شعورهم بعدم وضوح الصورة. ولذلك فإن نجاح التحول لا يعتمد على الأنظمة والهياكل فقط، بل على بناء الثقة مع الإنسان الذي سيصنع هذا التحول.




