كتاب الرأي

القبولات الجامعية.. حصاد السنين لا لحظة القبول

في كل عام، تتجه الأنظار نحو بوابات الجامعات، وتتصدر أخبار القبولات المشهد، وتتعالى مشاعر الفرح لدى المقبولين، بينما يخيّم شيء من القلق على من لم يحالفهم الحظ في تحقيق رغباتهم الأولى. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل القبول الجامعي هو الإنجاز الحقيقي، أم أنه مجرد إعلان عن بداية مرحلة جديدة؟

في تقديري، الخطأ الأكبر الذي نقع فيه هو اختزال رحلة التعليم كلها في رسالة قبول جامعي، وكأن سنوات الدراسة الطويلة لم تكن سوى طريق إلى مقعد جامعي. والحقيقة أن القبول ليس سوى حصاد لسنوات من البناء المتدرج، شاركت فيه الأسرة، والمدرسة، والمعلم، والوطن الذي استثمر في الإنسان منذ يومه الدراسي الأول.

فالطالب لا يصل إلى الجامعة بين ليلة وضحاها. إنه يحمل معه سنوات من التكوين؛ ففي المرحلة الابتدائية تعلم كيف يقرأ، ويكتب، ويحترم النظام، ويكتشف العالم من حوله. وفي المرحلة المتوسطة بدأ وعيه يتشكّل، واتسعت معارفه، وظهرت ميوله الأولى، وأصبح أكثر قدرة على التفكير والمناقشة. ثم جاءت المرحلة الثانوية لتكون محطة صناعة القرار، حيث تتحول الأحلام إلى أهداف، والميول إلى خيارات، والطموحات إلى مسارات مستقبلية.

لهذا، فإن النظر إلى القبول الجامعي باعتباره النهاية هو فهم قاصر لمسيرة التعليم. فالحقيقة أن الجامعة تبدأ من حيث انتهت المدرسة، ولا تلغي ما قبلها، بل تبني عليه. وكل سنة دراسية مضت كانت استثمارًا في عقل الطالب وشخصيته، وكل معلم مرّ في حياته ترك أثرًا، وكل تجربة تعليمية أسهمت في تشكيل مستقبله.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في الحصول على مقعد جامعي، بل في حسن اختيار التخصص. فكم من طالب دخل تخصصًا لأن معدله سمح له بذلك، ثم اكتشف بعد سنوات أنه لا ينتمي إليه. وكم من طالب اختار تخصصًا يتوافق مع شغفه وقدراته، فكان أكثر تميزًا وإبداعًا وإنتاجًا. إن التخصص الجامعي ليس بطاقة تعريف أكاديمية، بل هو مشروع عمر، ومسؤولية مهنية، ورسالة يقدمها الإنسان لوطنه ومجتمعه.

ومن هنا، فإن الجامعات لا ينبغي أن تكون مصانع للشهادات، بل مؤسسات تصنع الكفاءات. كما أن القبولات الجامعية لا ينبغي أن تقاس بعدد المقاعد التي امتلأت، وإنما بمدى قدرة تلك المقاعد على تخريج عقول قادرة على الابتكار، ومهارات تواكب التحولات الاقتصادية، وخبرات تسهم في بناء المستقبل.

لقد أدركت المملكة العربية السعودية، في رؤية 2030، أن الثروة الحقيقية ليست في الموارد الطبيعية وحدها، بل في الإنسان المؤهل. لذلك جاءت الرؤية لتعيد صياغة العلاقة بين التعليم والتنمية، وبين التخصصات الجامعية واحتياجات سوق العمل، وبين المعرفة والاقتصاد. ولم يعد المطلوب أن يتخرج الطالب حاملاً شهادة فحسب، بل أن يتخرج وهو يمتلك مهارة، وفكرًا، وقدرة على المنافسة، واستعدادًا للمشاركة في بناء اقتصاد معرفي يقوده أبناء الوطن.

إن المجتمع بحاجة إلى الطبيب كما يحتاج إلى المهندس، وإلى المعلم كما يحتاج إلى المبرمج، وإلى الباحث كما يحتاج إلى رائد الأعمال، وإلى المتخصص في الإدارة والتسويق والاقتصاد كما يحتاج إلى المتخصص في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. فالتنمية لا تقوم على تخصص واحد، بل على تكامل التخصصات، وجودة مخرجاتها، وحسن توظيفها لخدمة المجتمع.

ولهذا، فإن موسم القبولات الجامعية يجب أن يكون موسمًا للتأمل أكثر من كونه موسمًا للمفاضلات. فليس السؤال: في أي جامعة قُبلت؟ بل السؤال الأهم: أي إنسان ستصبح بعد التخرج؟ لأن الأوطان لا تبنى بأسماء الجامعات وحدها، وإنما تبنى بخريجين يمتلكون العلم، ويحملون المسؤولية، ويؤمنون بأن النجاح الحقيقي لا يبدأ عند الحصول على القبول، بل عند تحويل سنوات الدراسة إلى أثرٍ يبقى، وإنجازٍ يخدم الوطن، ورسالةٍ تستمر بعد التخرج.

إن القبول الجامعي ليس نهاية سباق، بل بداية مسؤولية. وهو حصاد سنوات مضت، ووعد بسنوات قادمة، تُصنع فيها الكفاءات، وتُبنى فيها الطموحات، ويُرسم من خلالها مستقبل الإنسان والوطن.

أ.د. بندر خلف الحارثي

استاذ دكتور - أكاديمي وكاتب- متخصص في إدارة الأعمال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى