“زوجي طيب… لكنه لا يشبه الرجل الذي أشعر معه بالأمان.”
كانت هذه العبارة كافية لتلفت انتباهي خلال إحدى الجلسات الأسرية، فهي جملة قد تبدو صادمة للوهلة الأولى، لكنها تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة العلاقة الزوجية.
فالزوجة لم تشتكِ من خيانة، ولا من عنف، ولا من إهمال، بل وصفت زوجها بأنه هادئ جدًا، شديد الخجل، لا يحب المواجهة، يتنازل عن حقه بسهولة، ويتردد في اتخاذ القرارات، ويترك كثيرًا من المواقف تمر دون حسم.
ثم قالت: “أعرف أنه إنسان طيب… لكنني لم أعد أشعر بالانجذاب إليه.”
وهنا تكمن القضية.
فالطيبة من أجمل الأخلاق، والرحمة خلق نبيل، والحياء من الإيمان، لكن أي صفة إذا تجاوزت حد الاعتدال فقد تؤدي إلى نتائج لم تكن مقصودة.
فالهدوء إذا تحول إلى عجز عن المواجهة أصبح ضعفًا، والتسامح إذا تحول إلى تفريط بالحقوق أصبح استسلامًا، واللين إذا ألغى الحزم أفقد الرجل هيبته، والحياء إذا منعه من اتخاذ القرار أضر بأسرته.
إن كثيرًا من الزوجات لا يبحثن عن الرجل المتسلط، ولا عن صاحب الصوت المرتفع، وإنما عن الرجل الذي يشعرهن بأن هناك من يستطيع تحمل المسؤولية، واتخاذ القرار، وحماية الأسرة إذا واجهت أزمة.
فالأمان النفسي لا يصنعه المال وحده، ولا الكلمات الجميلة وحدها، بل تصنعه أيضًا شخصية متزنة تعرف متى تلين، ومتى تحزم، ومتى تعفو، ومتى تقول: “يكفي”.
وقد جعل الإسلام القوامة مسؤولية قبل أن تكون سلطة، فقال الله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
أي قيام بالرعاية، والإنفاق، والحماية، وحسن الإدارة، لا بالتسلط أو الظلم.
وكان رسول الله ﷺ المثال الأكمل في هذا التوازن؛ ألين الناس مع أهله، وأرحمهم بهم، لكنه في المواقف التي تتطلب الحزم كان ثابتًا شجاعًا حاسمًا.
ومن خلال الخبرة في العمل الأسري، يتبين أن بعض الرجال يخلطون بين حسن الخلق وضعف الشخصية، فيظنون أن الرجل المهذب هو الذي لا يعترض أبدًا، ولا يرفض شيئًا، ولا يغضب لأي تجاوز، بينما الحقيقة أن الشخصية السوية تستطيع أن تقول “لا” بأدب، وأن ترفض الخطأ باحترام، وأن تحافظ على حقوقها دون إساءة.
وفي المقابل، من الظلم أيضًا أن نعمم هذه الصورة على جميع الزوجات، فلكل امرأة احتياجاتها وشخصيتها، كما أن النفور الزوجي قد ينتج عن أسباب متعددة، منها ضعف التواصل، أو تراكم الخلافات، أو الضغوط النفسية، أو الفتور العاطفي، ولا يمكن اختزاله في صفة واحدة.
لذلك، فإن الرسالة ليست دعوة إلى التخلي عن الطيبة، وإنما إلى إعادة تعريفها.
فالطيبة الحقيقية ليست أن يسمح الإنسان للجميع بتجاوز حدوده، وليست أن يتنازل عن حقوقه في كل مرة، وليست أن يخشى المواجهة مهما كانت النتائج.
الطيبة الحقيقية هي خلق كريم تحكمه الحكمة، وتسانده شخصية واثقة، ويقوده إحساس عالٍ بالمسؤولية.
فالأسرة لا تحتاج إلى رجل قاسٍ يخيفها، ولا إلى رجل ضعيف تعتمد عليه في كل شيء، بل تحتاج إلى رجل يجمع بين الرحمة والقوة، وبين الحلم والحزم، وبين التواضع والثقة بالنفس.
فخير الرجال ليس أكثرهم صمتًا، ولا أكثرهم صراخًا، وإنما أكثرهم اتزانًا.




