كتاب الرأي

كل شيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده

من الأمثال المكية الدارجة التي اختزلت تجارب الحياة في كلمات قليلة، قولهم: «كل شيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده». وهو مثل يحمل في داخله حكمة عميقة، تؤكد أن الاعتدال ليس مجرد سلوك محمود، بل هو ميزان يحفظ الأشياء من أن تفقد جمالها ووظيفتها ومعناها.

فكثير من الصفات تبدأ جميلة ومحببة، لكنها حين تتجاوز حدودها الطبيعية تتحول إلى عبء، وربما إلى ضرر. فالحزم إذا زاد أصبح قسوة، والكرم إذا تجاوز حدّه صار إسرافًا، والصراحة إذا غاب عنها التقدير تحولت إلى تجريح، والثقة إذا افتقدت الوعي أصبحت سذاجة، والعمل إذا استحوذ على الإنسان دون راحة وتوازن انقلب إلى إنهاك واحتراق.

ولعل الحب من أوضح الأمثلة على ذلك. فالحب في أصله مودة، وسكينة، واهتمام، وحرص على من نحب. لكنه إذا تجاوز حدّه الطبيعي، وتحول إلى تملك ومراقبة وخوف دائم، انقلب إلى غيرة مفرطة. والغيرة إن كانت معتدلة بقيت دليل اهتمام، أما إذا زادت عن حدّها تحولت إلى شك وسوء ظن وتضييق، ثم قد تنتهي مع الوقت إلى نفور وكراهية.

ولذلك يمكن القول: الحب إذا زاد عن حده انقلب إلى غيرة، والغيرة إذا زادت عن حدها انقلبت إلى كراهية. وما كان في البداية تعبيرًا عن شدة المحبة قد يصبح سببًا في خنقها، لأن الحب لا يعيش في بيئة الشك، ولا يزدهر تحت المراقبة المستمرة، ولا يستمر إذا تحولت العلاقة إلى استجواب دائم.

ومن هنا تصبح الثقة في الحياة الزوجية مطلبًا أساسيًا، لا يقل أهمية عن الحب نفسه. فالحياة الزوجية لا تقوم على المشاعر وحدها، وإنما تُبنى على الثقة والاحترام والمودة والرحمة. والثقة ليست غفلة، كما أنها ليست تنازلًا، بل هي طمأنينة متبادلة، وشعور بالأمان، وإيمان بأن العلاقة أقوى من الظنون العابرة والهواجس المرهقة.

وعندما تغيب الثقة، تتسع مساحة الشك، وتبدأ أبسط المواقف في حمل معانٍ لم تكن فيها، وتتحول الكلمات العادية إلى أسباب للخلاف، ويصبح كل تصرف محل تفسير وتأويل. أما حين تحضر الثقة، فإنها تمنح الطرفين سعة في الفهم، وحسنًا في الظن، وقدرة على تجاوز المواقف دون تضخيم أو إساءة.

إن الاعتدال هو الذي يحفظ الحب من أن ينقلب إلى تملك، والغيرة من أن تتحول إلى كراهية، والصراحة من أن تصبح قسوة، والاهتمام من أن يتحول إلى اختناق. وليس المقصود أن تخلو العلاقة من الغيرة تمامًا، وإنما أن تبقى في حدودها الطبيعية، محكومة بالعقل، ومهذبة بالثقة، ومضبوطة بالاحترام.

فالنهر ما دام يجري في مجراه يسقي الأرض ويمنحها الحياة، فإذا فاض عن حدّه أغرقها وأفسدها. وكذلك المشاعر؛ جمالها في صدقها، ودوامها في اتزانها، وأثرها الحسن في مقدارها المناسب.

ولعل أجمل ما يختم به هذا المعنى قول الله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

فغاية الزواج ليست القلق ولا الشك ولا التضييق، وإنما السكن الذي تطمئن فيه النفس، والمودة التي تلين بها القلوب، والرحمة التي تحفظ العلاقة عند الاختلاف والتعب وتبدل الأحوال. وحين يكون الحب محاطًا بالثقة، والغيرة منضبطة بالحكمة، والمشاعر مستنيرة بالإيمان، تصبح الحياة الزوجية سكنًا حقيقيًا كما أرادها الله، لا ساحة للخوف والارتياب.

وهنا تتجلى حكمة المثل المكي بوضوح: «كل شيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده»؛ فليس جمال الحب في شدته وحدها، بل في اعتداله، وليس بقاء الزواج في كثرة المشاعر فقط، بل في الثقة والمودة والرحمة التي تحفظ تلك المشاعر من أن تنقلب على أصحابها.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى