كتاب الرأي

مكة ترسم معادلة الأمن بالحكمة

في تاريخ الأمم محطات لا تقاس بما يوقع فيها من اتفاقيات، بل بما تؤسس له من تحولات في الفكر السياسي، وبما ترسمه من ملامح للمستقبل. ومن هذا المنطلق، فإن اتفاقية مكة للدفاع المشترك ليست مجرد وثيقة تعاون بين ثلاث دول، وإنما تعبير عن رؤية استراتيجية تنطلق من إدراك عميق بأن العالم يشهد إعادة تشكيل لموازين القوى، وأن أمن الدول لم يعد مسؤولية وطنية منفردة، بل مسؤولية جماعية تقوم على الشراكة والثقة والتكامل.

ولعل أعظم ما يميز هذه الاتفاقية أنها ولدت في مكة المكرمة – المدينة التي لم تكن يوماً مجرد بقعة جغرافية، بل كانت على امتداد التاريخ رمزاً للوحدة، ومنارة للهداية، ومركزاً لاجتماع الأمة. ومن جوار الكعبة المشرفة، حيث تتجه قلوب المسلمين قبل وجوههم، خرجت رسالة سياسية تحمل في مضمونها بعداً حضارياً، مفادها أن الأمن، كما السلام، لا يبنى بمنطق الصدام، بل بمنطق التعاون، وأن استقرار الأوطان يبدأ من بناء الثقة وصناعة الشراكات.

لقد أثبتت المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- أن القيادة الحكيمة لا تدار بمنطق ردود الأفعال، وإنما بمنهج استراتيجي يقوم على استشراف المستقبل، وحسن قراءة المتغيرات، وصناعة الخيارات قبل أن تفرضها الظروف. فمنذ توليه مقاليد الحكم، رسخ نهجاً سياسياً اتسم بالاعتدال والاتزان، وجعل من المملكة ركناً أساسياً في دعم الأمن والاستقرار، وحاضنة للمبادرات التي تجمع ولا تفرق، وتقرب ولا تباعد.

وجاءت قيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله ورعاه- لتمنح هذا النهج بعداً أكثر طموحاً وحيوية، من خلال رؤية استراتيجية نقلت المملكة إلى مرحلة جديدة من الحضور الدولي. فقد أصبحت الرياض اليوم مركزاً لصناعة المبادرات، ومنصة للحوار، وشريكاً موثوقاً في معالجة القضايا الإقليمية والدولية، مستندة إلى مزيج فريد من القوة الاقتصادية، والثقل السياسي، والمكانة الدينية، والرؤية المستقبلية.

إن المتأمل في السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة يلحظ أنها لا تتحرك وفق منطق التحالفات التقليدية الضيقة، وإنما وفق رؤية أكثر اتساعاً، تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز المصالح المشتركة، وبناء جسور التعاون مع مختلف الأطراف، بما يحفظ استقلال القرار الوطني، ويعزز مكانة المملكة بوصفها قوة للاستقرار والتوازن في منطقة تعج بالتحولات.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة اتفاقية مكة باعتبارها امتداداً لهذه الرؤية فهي لا تمثل مجرد تعاون دفاعي بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، بل تعكس إرادة سياسية لبناء إطار مؤسسي يجمع بين ثلاث دول تمتلك ثقلاً سكانياً واقتصادياً وعسكرياً مؤثراً، وتسعى إلى تعزيز التعاون في المجالات الدفاعية والتقنية والتدريبية، بما يدعم الأمن والاستقرار، ويعزز القدرة على مواجهة التحديات المشتركة.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه الاتفاقية تتجاوز أبعادها الدفاعية إذ إنها تعكس تحولاً في الفكر الاستراتيجي، يقوم على أن الردع لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما بوحدة الموقف، وتكامل القدرات، ووضوح الرؤية. كما أن ما أُعلن عن انفتاح الاتفاقية أمام انضمام دول إسلامية أخرى يمنحها بعداً مستقبلياً مهماً، ويؤسس لإطار تعاون قابل للتوسع وفق المصالح المشتركة والالتزامات المتبادلة، وهو ما قد يسهم في تعزيز العمل المؤسسي بين الدول الإسلامية في المجالات ذات الاهتمام المشترك.

ولعل من أبرز سمات السياسة السعودية أنها نجحت في الجمع بين القوة الناعمة والقوة الصلبة، وبين التنمية الداخلية والدور الدولي، وبين حماية المصالح الوطنية والإسهام في استقرار الإقليم. وهذه المعادلة لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة قيادة تؤمن بأن النفوذ الحقيقي لا يبنى بالاستعراض، وإنما بالمصداقية، ولا يحفظ بالانفعال، وإنما بالحكمة، ولا يستمر إلا إذا اقترن بالاحترام والثقة.

واليوم، بينما يشهد العالم تغيرات متسارعة في بنية النظام الدولي، تبدو المملكة العربية السعودية أكثر قدرة على قراءة هذه التحولات والتكيف معها، ليس بوصفها دولة تتأثر بما يجري، بل باعتبارها دولة تسهم في صياغة كثير من مساراته. وهذا ما يمنح تحركاتها السياسية والدبلوماسية بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود اللحظة، ويجعلها جزءاً من رؤية متكاملة لمستقبل أكثر استقراراً وتوازناً.

إن التاريخ يعلمنا أن الدول العظيمة لا تعرف فقط بما تملكه من موارد، وإنما بما تمتلكه من رؤية، وبقدرتها على تحويل مكانتها إلى مسؤولية، ونفوذها إلى مبادرات، وقوتها إلى عنصر يرسخ السلام والاستقرار.

ومن هنا، فإن اتفاقية مكة تمثل أكثر من حدث سياسي إنها رسالة بأن المملكة العربية السعودية تواصل أداء دورها التاريخي بثقة واقتدار، مستندة إلى قيادة حكيمة، ورؤية طموحة، وإرث حضاري عريق، وإيمان راسخ بأن المستقبل لا ينتظر، بل يصنع.

ولذلك، حين تتحدث مكة، فإنها لا تضيف خبراً جديداً إلى سجل السياسة الدولية فحسب، بل تفتح نافذة على مستقبل تبنى فيه الشراكات على الحكمة، ويصان فيه الأمن بالتعاون، وتبقى المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظهما الله- نموذجاً لقيادة تؤمن بأن أعظم صور القوة هي تلك التي تصنع السلام، وتعزز الاستقرار، وتمنح الأمل.

وحين تتحدث مكة … لا تسمع كلمات السياسة وحدها، بل يصغي التاريخ، وتترقب الشعوب، وتدرك موازين العالم أن المملكة العربية السعودية لا تواكب المستقبل فحسب، بل تسهم في صناعته.

عضو هيئة التدريس بجامعة المؤسس

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى