الذكاء الإصطناعيالمجتمعالمحلية

د.تركي الزهراني يرسم ملامح مستقبل التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي في المدارس

أكد رئيس قسم تقنيات وتصميم التعليم بجامعة جدة، الدكتور تركي الزهراني، أن مستقبل التعليم الرقمي لا يُقاس بعدد الأجهزة والمنصات داخل المدارس، بل بقدرتها على تحسين نواتج التعلم، ومراعاة الفروق الفردية بين الطلاب، وبناء تجارب تعليمية تعزز التفكير والإبداع وحل المشكلات.

وأوضح الزهراني، المتخصص في تقنيات التعليم، أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دور «المساعد الذكي» للمعلم، عبر تحليل مستويات الطلاب وتوفير مسارات تعلم تناسب احتياجاتهم، مع بقاء المعلم محور العملية التعليمية والمسؤول عن التوجيه التربوي والدعم الإنساني وغرس القيم.

التقنية جزء من بيئة التعلم

يرى الزهراني أن مستقبل المدرسة يرتبط بانتقال التقنية من أداة مساندة إلى عنصر أصيل في تصميم البيئة التعليمية، بما يرفع مستوى التفاعل، وينوع مصادر المعرفة، ويحسن فرص الوصول إلى تعليم يتناسب مع احتياجات الطلاب المختلفة.

وقال: «يتجاوز التحول الرقمي فكرة رقمنة المحتوى، ليركز على رفع جودة التعليم وتوفير بيئات تعلم متكيفة تلتفت إلى الفروق الفردية بين الطلاب».

وأضاف أن أدوات تحليل بيانات التعلم تتيح للمدارس متابعة تقدم الطالب بصورة أكثر دقة، والكشف المبكر عن التعثر، وتقديم تدخلات تعليمية مناسبة، إلى جانب توفير أنشطة أكثر تقدمًا للطلاب المتفوقين.

الأجهزة وحدها لا تصنع تحولًا رقميًا

وفرّق الزهراني بين استخدام التقنية داخل الفصل وتصميم تجربة تعلم رقمية متكاملة، موضحًا أن عرض ملف إلكتروني أو مقطع مرئي بدلًا من الشرح التقليدي لا يعني بالضرورة تحقق تحول تعليمي.

وأوضح أن الاستخدام التقليدي للتقنية قد يقتصر على استبدال الوسائط الورقية بوسائط رقمية، مع استمرار الممارسة التعليمية بالطريقة نفسها، بينما ينطلق تصميم تجربة التعلم الرقمية من تحديد نواتج التعلم، وفهم خصائص الطالب، وبناء الأنشطة والتفاعلات والتغذية الراجعة وأساليب التقويم المناسبة.

وقال: «التقنية ليست هدفًا في ذاتها، وإنما تكمن قيمتها في نوعية التعلم الذي تولده، وقدرتها على تحفيز الطالب على التفكير والتطبيق والابتكار».

الذكاء الاصطناعي مساعد للمعلم

وحول مستقبل الذكاء الاصطناعي في المدارس، أكد الزهراني أن هذه التقنيات يمكنها مساعدة الطالب والمعلم معًا، لكنها لا تمثل بديلًا عن الدور البشري في العملية التعليمية.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يستطيع توفير مسارات تعلم شخصية تتناسب مع سرعة الطالب ومستواه واحتياجاته، وتقديم دعم إضافي للمتعثرين، إلى جانب إتاحة تحديات وأنشطة أعمق للطلاب المتفوقين.

أما بالنسبة للمعلم، فتسهم أدوات الذكاء الاصطناعي في تخفيف بعض الأعباء الروتينية، مثل تحليل النتائج وبعض أعمال التصحيح والإعداد، بما يمنحه وقتًا أكبر للتوجيه، ومتابعة الطلاب، وتقديم الدعم النفسي والتربوي، وغرس القيم، وتحفيز التفكير الإبداعي.

وقال الزهراني: «الذكاء الاصطناعي مساعد ذكي وممكّن للتعليم، وليس بديلًا عن المعلم، فالأدوار الإنسانية والتربوية لا يمكن اختزالها في أداة تقنية».

وشدد على ضرورة وضع أطر أخلاقية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس، تراعي حماية خصوصية الطلاب، ودقة المخرجات، والعدالة، والشفافية، وتمنع الاعتماد المفرط على الأدوات الرقمية.

مهارات جديدة للمعلم والطالب

وبيّن الزهراني أن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير مهارات رقمية تتجاوز القدرة على تشغيل البرامج والمنصات، لتشمل التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، وتحليل البيانات، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.

ويحتاج المعلم، وفقًا للزهراني، إلى امتلاك مهارات تصميم الأنشطة التفاعلية، وتحليل بيانات التعلم، وتقديم التغذية الراجعة الرقمية، وفهم إمكانات الذكاء الاصطناعي وحدوده، وتوظيفه بما يخدم الأهداف التعليمية.

أما الطالب، فيحتاج إلى مهارات المواطنة والأمان الرقمي، والوعي بالخصوصية، والبحث الذكي عن المعلومات، وتقييم مصداقيتها، والتعامل المسؤول مع أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدارة الوقت والتعلم الذاتي وحل المشكلات.

وأكد أن الطالب في المدرسة المستقبلية لن يكون مستهلكًا للمحتوى فقط، بل مشاركًا في إنتاج المعرفة وتصميم الحلول وصناعة المحتوى الرقمي.

التفكير والإبداع بدلًا من تلقي المعلومات

وأشار الزهراني إلى أن تقنيات المحاكاة والتجارب الافتراضية والواقع المعزز والواقع الافتراضي يمكنها وضع الطالب أمام مواقف ومشكلات تتطلب التحليل والمقارنة واتخاذ القرار واقتراح الحلول.

وتتيح أدوات الإنتاج الرقمي للطلاب تحويل أفكارهم إلى مشروعات ومحتوى ونماذج تطبيقية، بدلًا من الاكتفاء بتلقي المعلومات وحفظها.

وقال: «يتحقق الأثر الحقيقي للتقنية عندما تتحول وظيفتها من نقل المحتوى إلى بناء الخبرة التعليمية، ويصبح الطالب قادرًا على البحث والتحليل والإنتاج وقياس تقدمه بنفسه».

أربعة متطلبات لمدرسة المستقبل

حدد الزهراني أربعة متطلبات أساسية لنجاح التحول الرقمي في المدارس، تتمثل في:

* توفير بنية تحتية موثوقة تشمل الاتصالات والأجهزة والمنصات والدعم الفني المستمر.
* تقديم تطوير مهني نوعي للمعلمين يركز على التصميم التعليمي والتقويم الرقمي والتوظيف التربوي للتقنية.
* إعداد محتوى رقمي مرن وتفاعلي يراعي الفروق الفردية ويدعم التعلم الشخصي والتكيفي.
* تبني قيادات المدارس مؤشرات تقيس تحسن تعلم الطالب، بدلًا من الاكتفاء بقياس عدد الأجهزة أو معدلات استخدام المنصات.

وحذر من اختزال التحول الرقمي في شراء الأجهزة أو تشغيل المنصات، مشيرًا إلى أن تفاوت جاهزية المدارس، ومقاومة التغيير، وضعف التدريب، والاستخدام الشكلي للتقنية، تمثل أبرز التحديات التي قد تحد من أثرها التعليمي.

الأثر هو معيار النجاح

وختم الزهراني حديثه بالتأكيد على أن مدرسة المستقبل تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع التقنية بالتصميم التعليمي والتأهيل المهني والقيادة المدرسية والضوابط الأخلاقية.

وأضاف: «المعيار الحقيقي لنجاح التحول الرقمي ليس حضور التقنية داخل الفصل، وإنما أثرها في تعلم الطالب، وقدرتها على مراعاة احتياجاته، وتنمية تفكيره، وتأهيله للمشاركة في اقتصاد المعرفة».

 

«مدرسة المستقبل لا تُبنى بكثرة الأجهزة، بل بقدرتها على تصميم تعلم يناسب احتياجات الطالب».

«الذكاء الاصطناعي مساعد ذكي وممكّن للتعليم، وليس بديلًا عن المعلم».

«التقنية ليست هدفًا في ذاتها، وإنما تكمن قيمتها في نوعية التعلم الذي تولده».

«المعيار الحقيقي للتحول الرقمي هو تحسن تعلم الطالب، وليس معدلات استخدام المنصات».

عهود الزهراني

محررة ومراسلة ميدانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى