كتاب الرأي

السعودية… حين تتحول القوة إلى صناعة للسلام

ليست التحولات الكبرى في التاريخ تلك التي تُقاس بعدد الإتفاقيات الموقعة أو التحالفات المُعلنة، وإنما تلك التي تُغيّر قواعد اللعبة، وتُعيد تشكيل موازين القوى، وتُنتج واقعًا سياسيًا وأمنيًا جديدًا. وهذا ما فعلته المملكة العربية السعودية خلال أسبوع واحد، عندما انتقلت من دور الدولة المؤثرة في محيطها إلى دور الدولة التي تُسهم في إعادة هندسة منظومة الأمن الإقليمي والدولي.

ففي غضون أيام معدودة، أطلقت المملكة تحالفًا بحريًا دفاعيًا متعدد الجنسيات لحماية الممرات البحرية الدولية، ثم وقعت “إتفاقية مكة للدفاع المشترك” مع جمهورية تركيا وجمهورية باكستان الإسلامية، في خطوة حملت أبعادًا سياسية وعسكرية وإستراتيجية عميقة، تجاوزت حدود المنطقة لتصبح محل متابعة وإهتمام من العواصم الكبرى ووسائل الإعلام العالمية.

إن أهمية ما جرى لا تكمن في تعدد المبادرات، وإنما في وحدة الرؤية التي تقف خلفها. فالمملكة لم تتحرك بردود أفعال آنية، ولم تنجرف إلى سياسات التصعيد، بل قدمت نموذجًا مختلفًا يقوم على أن الأمن لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالشراكات، وأن السلام الحقيقي لا يتحقق بالرغبات وحدها، وإنما بمنظومات ردع تمنع الحروب قبل وقوعها.

لقد أدركت القيادة السعودية أن العالم يعيش مرحلة تتزايد فيها التهديدات العابرة للحدود، فلم تعد المخاطر تقتصر على حدود الدول، بل أصبحت تمتد إلى الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، والتجارة العالمية. ومن هنا جاءت المبادرة السعودية لحماية الملاحة الدولية، إدراكًا منها أن أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل أصبح قضية تمس الإقتصاد العالمي بأسره.

فالناقلة التي تعبر البحر الأحمر لا تنقل النفط وحده، وإنما تحمل معها إستقرار الأسواق العالمية، وتحافظ على إنسيابية التجارة الدولية، وتؤمن وصول الغذاء والدواء والمواد الخام إلى عشرات الدول. ولذلك فإن حماية هذه الممرات ليست خدمة لدولة بعينها، وإنما خدمة للبشرية جمعاء.

ومن هنا يمكن فهم التحالف البحري الدفاعي بوصفه مشروعًا عالميًا لحماية السلام والإقتصاد الدوليين، أكثر من كونه تحالفًا عسكريًا تقليديًا. فهو يهدف إلى ردع كل من يحاول تحويل الممرات البحرية إلى أدوات للإبتزاز أو ساحات للصراع، ويؤكد أن أمن الملاحة مسؤولية جماعية تتشارك فيها الدول، لأن آثار أي إعتداء لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل تمتد إلى كل بيت يعتمد على التجارة والطاقة والإستقرار الإقتصادي.

وفي الوقت نفسه، جاءت “إتفاقية مكة للدفاع المشترك” لتؤسس بعدًا آخر من أبعاد الأمن الجماعي. فالتاريخ يعلمنا أن السلام المستدام لا يقوم على حسن النوايا وحدها، وإنما على وجود قوة رادعة تجعل كلفة العدوان أكبر من أي مكسب متوقع.

وهنا تتجلى الرؤية السعودية بوضوح؛ فالمملكة لم تتجه إلى بناء محور هجومي، ولم تبحث عن صدام مع أحد، وإنما عملت على بناء منظومة دفاعية تجمع ثلاث دول تمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا وإقتصاديًا كبيرًا، بما يعزز الإستقرار ويمنع المغامرات العسكرية، ويُرسخ معادلة ردع تجعل التفكير في الإعتداء أكثر صعوبة.

إن جمع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي واحد يحمل رسالة واضحة مفادها أن التعاون هو الطريق الأمثل لحماية الأمن، وأن الإستقرار الإقليمي مسؤولية مشتركة، وأن الدول القوية قادرة على توظيف إمكاناتها لصالح السلام لا لصالح الفوضى.

ولعل أكثر ما يلفت الإنتباه أن هذين الحدثين الكبيرين صدرا من الرياض خلال فترة زمنية قصيرة جدًا، وهو ما يعكس حجم الثقة الدولية بالمملكة، وقدرتها على جمع الدول حول المبادرات الكبرى، وتحويل الأفكار إلى مؤسسات وتحالفات فاعلة.

فالعالم اليوم لا ينظر إلى المملكة باعتبارها دولة محورية في سوق الطاقة فحسب، بل باعتبارها قوة سياسية مسؤولة، تمتلك رؤية واضحة، وإرادة مستقلة، وقدرة على قيادة المبادرات التي تخدم الأمن والسلم الدوليين.

لقد أصبحت الرياض نقطة إلتقاء للمصالح الدولية، ومركزًا للحوار، ومنصة لإنتاج الحلول، لا لتصدير الأزمات. وهذه المكانة لم تأتِ من فراغ، وإنما جاءت نتيجة سياسة متوازنة، تجمع بين الحكمة والحزم، وبين الدبلوماسية والقوة، وبين الإنفتاح على العالم والتمسك بالمصالح الوطنية.

ويقف خلف هذا التحول التاريخي قائدان حملا مسؤولية هذه المرحلة بكل كفاءة واقتدار : خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، الذي رسخ مفهوم المسؤولية السعودية تجاه محيطها العربي والإسلامي والعالم، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي نقل هذه الرؤية إلى مرحلة المبادرة وصناعة المعادلات الجديدة.

لقد أصبحت المملكة في عهدهما تنظر إلى الأمن بمنظوره الشامل ، أمن الإنسان، وأمن الدولة، وأمن التجارة، وأمن الطاقة، وأمن الممرات البحرية، وأمن التنمية والإزدهار. فالتنمية لا يمكن أن تزدهر في بيئة مضطربة، والإستثمار لا ينمو في ظل الفوضى، والإقتصاد العالمي لا يستقر إذا تعرضت طرق التجارة والبحار للتهديد.

ومن هنا فإن كل خطوة سعودية في هذا الإتجاه لا تخدم مصالح المملكة وحدها، بل تسهم في حماية مصالح العالم بأسره. فحين تُؤمَّن الممرات البحرية، فإن المستفيد ليس المنتج وحده، بل المستهلك أيضًا، وليس الشرق وحده، بل الشرق والغرب معًا. وحين تُبنى منظومات الردع، فإنها تحمي الشعوب من ويلات الحروب، وتحفظ الموارد للتنمية، وتفتح الطريق أمام التعاون والإزدهار.

إن ما شهدناه خلال هذا الأسبوع ليس مجرد نجاح دبلوماسي أو إنجاز عسكري، بل إعلان واضح عن مرحلة جديدة في السياسة السعودية ، مرحلة أصبحت فيها المملكة شريكًا رئيسًا في صناعة الأمن العالمي، لا متلقيًا لترتيباته، وقوةً تبادر إلى بناء السلام، لا تنتظر الآخرين ليصنعوه.

وهكذا تُثبت المملكة العربية السعودية مرةً بعد أخرى أن القوة الحقيقية ليست في إشعال الصراعات، وإنما في القدرة على منعها، وأن أعظم الإنجازات ليست تلك التي تُحقق الإنتصار في معركة، وإنما تلك التي تمنع وقوعها أصلًا.

هذه هي الرسالة التي تقدمها المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان رسالة دولةٍ جعلت من الحكمة منهجًا، ومن المسؤولية رسالة، ومن القوة وسيلةً لحماية الأمن، وترسيخ الإستقرار، وصناعة مستقبل أكثر سلامًا وإزدهارًا للمنطقة والعالم.

د أحمد بن حسن الشهري
الكاتب والباحث في العلاقات الدولية

د. أحمد بن حسن الشهري

الكاتب والباحث في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى