المقالات

منع وقوع الحرب أعظم انتصارًا من التفوق فيها عند وقوعها .

ليس الانتصار في الحروب مقصورًا على التفوق في ميادين القتال، ولا على التقدم في ساحات المعارك، ولا على ما تمتلكه الدول من قوة وترسانة عسكرية ؛ فثمة انتصار آخر قد يكون أعظم أثرًا، وأبعد نظرًا، وأقل كلفة، وهو أن تمتلك الدولة القوة والقدرة على المواجهة، ثم تستطيع بحكمتها وسياستها ورويتها أن تمنع الحرب من الوقوع ، دون أن تفرط في أمنها أو سيادتها أو مصالحها.
فالحرب، حتى حين تنتهي بانتصار أحد أطرافها، لا تمر بلا ثمن؛ أرواح تُزهق، ومقدرات تُستنزف، واقتصاد يتأثر، وتنمية تتعطل، وعلاقات تتصدع، وجراح قد لا تلتئم، وأحقاد ربما تبقى بعد أن تصمت المدافع بسنوات طويلة.
وقد عبّر شاعر الحكمة زهير بن أبي سلمى عن هذه الحقيقة الإنسانية قبل قرون، حين قال:
وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتمُ
وما هو عنها بالحديثِ المُرجَّمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً
وتضرَ إذا ضريتموها فتضرمِ
ثم يصور ما تفعله الحرب حين تنطلق من عقالها، وتخرج عن دائرة السيطرة والتحكم، فيقول:
فتعرككم عركَ الرحى بثفالها
وتلقح كشافًا ثم تنتج فتتئمِ

إنها صورة بليغة لحرب قد يكون قرار إشعالها في لحظة، لكن السيطرة على نتائجها ليست بالضرورة في يد من بدأها؛ فهي إذا اشتعلت اتسعت دوائرها، وتضاعفت خسائرها، وربما تجاوزت آثارها حسابات أطرافها جميعًا.
ومن هنا فإن الحكمة السياسية لا تعني التردد، كما أن الصبر لا يعني الضعف، وتجنب الحرب لا يعني العجز عن خوضها؛ بل قد يكون ضبط القوة في بعض المواقف أصعب من استخدامها، وقد تكون القدرة على الردع ومنع الحرب أعلى مراتب القوة وأحكم صور توظيفها.
ولعل المتأمل في سياسة المملكة العربية السعودية يجد جانبًا واضحًا من هذه المعادلة؛ فقد حرصت في خضم أزمات المنطقة وتقلباتها، على الجمع بين بناء القوة والمحافظة على الأمن من جهة ، والصبر وطول النفس وإبقاء أبواب السياسة والدبلوماسية مفتوحة من جهة أخرى.
وقد واجهت المملكة تحديات واعتداءات لم تكن مجرد خلافات سياسية أو سجالات دبلوماسية، بل طالت أمنها ومدنها ومنشآتها ومقدراتها الاقتصادية، كما عانت المنطقة من توظيف الجماعات والميليشيات المسلحة خارج إطار الدولة، وبرز ذلك بصورة واضحة في اليمن، إلى جانب حضور جماعات مسلحة مرتبطة بإيران أو واقعة تحت تأثير نفوذها في العراق ولبنان وساحات أخرى.
ومع جسامة هذه التحديات، اتسم الموقف السعودي بالحلم والصبر وطول النفس، دون التفريط في حق المملكة في الدفاع عن أمنها وسيادتها ومصالحها، ودون إهمال بناء القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية اللازمة للردع.
وهنا تظهر دلالة مهمة في مفهوم الردع؛ فالقوة الرشيدة لا تُبنى بالضرورة لكي تُستخدم، وإنما قد يكون أعظم نجاح لها أن تجعل استخدامها غير ضروري. وكلما أدرك الطرف المقابل أن الاعتداء ستكون له كلفة باهظة، وأن أمن الدولة تحميه قدرات وتحالفات ومصالح متشابكة، قلت احتمالات المغامرة، واتسعت مساحة السياسة والتفاوض.
وفي هذا السياق تأتي اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، التي وقّعها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مع الرئيس التركي ورئيس الوزراء الباكستاني، بوصفها امتدادًا لهذه الرؤية القائمة على تعزيز القوة من أجل حماية السلام وترسيخ الردع.
فاجتماع هذه الدول الثلاث، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري وجغرافي، في إطار دفاعي مشترك، يضيف بعدًا مهمًا إلى معادلة الاستقرار الإقليمي؛ إذ إن تقاطع المصالح وبناء منظومات الدفاع المشترك يرفع كلفة الاعتداء، ويعزز مفهوم الأمن الجماعي، ويمنح الدبلوماسية مساحة أوسع للعمل قبل الوصول إلى الخيار العسكري.
ومن هنا فإن مثل هذه الاتفاقيات لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها اصطفافًا للبحث عن حرب، أو تهديدًا لأمن دولة بعينها؛ وإنما بوصفها وسيلة من وسائل منع الحرب ؛ فالتحالف الدفاعي الناجح ليس ذلك الذي يخوض أكثر الحروب، وإنما ذلك الذي يجعل الآخرين أكثر ترددًا في إشعالها.
وهذا هو جوهر الردع ؛ أن تمتلك من القوة ما يغنيك عن استخدامها، وأن يعرف الآخر أنك قادر على الدفاع عن نفسك، فيصبح الحوار أكثر عقلانية، والتفاوض أكثر جدية، والسلام أكثر قابلية للاستمرار.
ولعل في تعامل المملكة مع إيران خلال مراحل طويلة من التوتر مثالًا على أهمية هذه المعادلة؛ فعلى الرغم مما شهدته العلاقات من أزمات، وما تعرضت له المملكة من تهديدات واعتداءات طالت منشآتها ومقدراتها، وما مثلته الجماعات والميليشيات المرتبطة بإيران في عدد من دول المنطقة من مصدر اضطراب وتهديد، فإن المملكة لم تجعل الحرب خيارها الأول، بل أبقت أبواب الحوار والدبلوماسية مفتوحة، وتحلت بالصبر وطول النفس، دون أن تتنازل عن حقها في حماية أمنها وسيادتها ومصالحها.
إنه صبر القادر لا صبر العاجز؛ صبر يستند إلى قوة، وحكمة تستند إلى قدرة، ودبلوماسية تسندها الجاهزية ؛ فالدولة الحكيمة ليست التي تسارع إلى الحرب كلما امتلكت أسباب القوة، وإنما التي تعرف كيف تستخدم قوتها لمنع الحرب، وكيف تجعل الردع سابقًا على المواجهة، والحوار مقدمًا عليها ما دام قادرًا على حماية الحقوق والمصالح.
وهذه هي المعادلة التي تحتاجها منطقتنا اليوم : قوة تمنع الحرب، وحكمة تحول دون اندلاعها، ودبلوماسية تعالج أسبابها، وردع يجعل الاعتداء خيارًا باهظ الثمن.
أما إذا استُنفدت وسائل السياسة والدبلوماسية، وأُغلقت أبواب الحوار، وفُرضت المواجهة، ولم يبق أمام المملكة سبيل لحماية أمنها وسيادتها ومقدراتها إلا الدفاع عن نفسها، فإن حرصها على السلام لا يعني ترددها في حماية وطنها، وصبرها لا يعني عجزها عن المواجهة، وحكمتها في تجنب الحرب لا تعني أنها غير مستعدة لها.
وهنا تستحضر الذاكرة الوطنية كلمات وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- التي اختصرت هذه المعادلة بوضوح :
«نحن لسنا دعاة حرب ، ولكن إذا قرعت طبولها فنحن جاهزون لها».
وبين ( لسنا دعاة حرب ) و ( نحن جاهزون لها ) تتلخص سياسة دولة تعرف قيمة السلام، وتدرك كلفة الحرب، وتتحلى بالصبر والحكمة لتجنبها، لكنها في الوقت ذاته تمتلك من القوة والإرادة والجاهزية ما يحمي أرضها وشعبها ومقدراتها إذا فُرضت عليها المواجهة.
نسأل الله أن يحفظ قيادتنا ، ويديم الأمن والاستقرار على ربوع بلادنا ، ويحفظنا من كل سوء .

•مدير تعليم الليث سابقا

مرعي بن محمد البركاتي

مدير تعليم الليث سابقا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى