عام

معالي مدير جامعة أم القرى الأسبق الدكتور راشد بن راجح الشريف بعيون الطلبة وصغار الموظفين.

رثاء وتذكار

أحاول من خلال هذا المقال التحدث عن بعض ما عرفت وعايشت من سمات وصفات معالي الدكتور راشد بن راجح الشريف -مدير جامعة أم القرى- الأسبق -غفر الله له ورحمه وأسكنه فسيح جناته- ، وأحاول أيضا أن أسلط الضوء على بعض زوايا جامعة أم القرى خلال فترة زمنية محدودة مقدارها ثمان سنوات ابتدأت منذ عام 1408هـ وهي سنة التحاقي بالجامعة ، وانتهاء بعام 1416 هـ ، وهو العام الذي قدمت فيه استقالتي من عملي بعمادة شؤون الطلاب .

وحقيقة لم أكن طالب كأي طالب عادي ؛ ولكني اختلفت عن كثير من الطلبة ببعض الأمور ؛ وأولها كان انضمامي إلى الأنشطة الطلابية في الجامعة ، وكذلك المراكز الصيفية التي كانت تنظمها الجامعة ؛ ثم عملي أثناء دراستي للبكالوريوس على بند تشغيل الطلاب ، ثم عملي بعدد من مواسم رمضان والحج بمركز أبحاث الحج (معهد خادم الحرمين لأبحاث الحج والعمرة حاليا) ، وكذلك حضوري ومشاركاتي الكثيرة بنادي مكة الأدبي كوني مختص في الأدب العربي ؛ وكوني منتمي لفريق المسرح بالجامعة والنادي الأدبي، والذي كان يترأسه معالي الدكتور راشد الراجح ، وتأسيسي وإدارتي للجنة المسرح الجامعي ؛ مما جعل فرص حضوري لفعاليات أو مناسبات أو اجتماعات ، أو مقابلات مع الدكتور راشد كثيرة ومتعددة .

وكان -رحمه الله تعالى- متحدثا دقيقا وبليغا وذكيا في نفس الوقت . وكان رجلا ذو هيبة كبيرة ، ولكنه خلوق ومتواضع في نفس الوقت . أتذكر عندما كنت أقابل معاليه لتوقيع أو متابعة بعض المعاملات العاجلة والمهمة ؛ وأنا طالب في السنة الثانية أو الثالثة الجامعية، أنه كان يسألني عن حالي ، وعن دراستي ؛ وهو بالتأكيد لا يعرف اسمي ، ولا يتذكرني لكثرة من يقابل ، وكان يسألني عن بعض زملائي من قادة الجوالة ـ بعضهم مشرفون ، وبعضهم طلبة ـ وأتذكر أنه كان يسألني عن طلال مثنى (الدكتور لاحقا) ، وعن نصار الظاهري (المعلم لاحقا) وعن الدكتور سمير توكل القائد المشرف . ويسألني عن بعض تفاصيل النشاط .

وتخيل معي شعورك كطالب عندما يمنحك معالي مدير الجامعة بعض الوقت لمثل هذه الدردشات ، وأنت ترى في صالة الانتظار العديد من الشخصيات تنتظر الدخول على معاليه ؛ وأعتقد جازما أنه كان يربي في الطلبة الثقة والاعتزاز .

كنت أقابل بمكتب معاليه الأستاذ عبدالرحمن السالم، أو الأستاذ محمد الدباغ ؛ وهما من قيادات مكتب معاليه ؛ فكنت كغيري من الطلبة أجد التقدير والاحترام والدروس والتوصيات التي لا تنسى ؛ بكل أدب وذوق رفيع ؛ وهذا لاشك له تأثيره النفسي الكبير ، وفي تلك الفترة كانت الأنشطة الطلابية في أفضل مستوياتها ؛ وكانت مئات البرامج تقام سنويا للجان الأنشطة المختلفة ، وكانت الاحتفالات والمناسبات تنفذ سنويا وأحيانا عدة مرات في العام ؛ وكان الدكتور راشد يحضرها جميعا ، ولا يتغيب عنها إلا للضرورة . كان يعلق على جميع التفاصيل ، فينقد ويوجه ويرشد ويحفز ويكرم ؛ بدون كلل ولا ملل . كان يشاركنا في بعض الرحلات والمعسكرات ؛ ويقضي معنا الوقت داخل المخيمات ؛ ويأكل مما نأكل ويشرب مما نشرب . كان يحثنا على التحصيل الدراسي ، وعلى حب الوطن ، وعلى التمسك بالدين الإسلامي والخلق القويم . كانت لغته جاذبة ، وعباراته رصينة قوية . حضرت لمعاليه عدة مناسبات ؛ وكان حديثه مدرسة ونبراسا لمن أراد أن يتعلم اللغة والأدب والبلاغة والقيادة . أتذكر تلك المرحلة بكل تفاصيلها ، وأتذكر أن معاليه أصغى واثنى أمام الجميع على قصيدة كتبتها في إحدى المناسبات الخاصة بأعضاء هيئة التدريس وكانت عن الجامعة وكان منها أبياتا تقول
(أم القرى واسأل فمن أم القرى أم التقدم والشباب الباني
أم الأصالة والعراقة إنها مهد الشريعة منبت الإيمان)
وكنت في تلك المناسبة من الطلبة المشاركين للخدمة والتنظيم . وأتذكر حضورنا اجتماعا خاصا بمكتب معاليه لتكريمنا بعد أن شاركنا أول مشاركة باسم الجامعة بالمهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادرية ؛ بقيادة الدكتور عبدالعزيز العقلا رحمه الله تعالى وكان عميد شؤون الطلاب آنذاك . في تلك الفترة كنت أنا ومئات الطلبة المنخرطين في الأنشطة الطلابية نتلقى عناية خاصة ورعاية فائقة ومحبة واحترام وتقدير من عمداء شؤون الطلاب ونوابهم ، وأتذكر منهم الدكتور محمد سعيد الحارثي ، والدكتور أحمد البناني ، والدكتور عبداللطيف عجيمي ، والدكتور عبدالله الرسيني ، وغيرهم . وكان أساتذة الإشراف الاجتماعي مدرسة في الخلق والتوجيه والتعليم والتدريب ؛ وأتذكر منهم الأستاذ عدنان باحارث (الدكتور لاحقا) ، والأستاذ عادل الفاسي (الدكتور لاحقا) والأستاذ اسعد عيد ، والأستاذ سمير بنجر ، والأستاذ نزار فقيها ، والأستاذ حسن بن سلم ، والأستاذ سعد البيشي والأستاذ أحمد كرزون . كانوا أساتذة موجهين وملهمين لنا جميعا ، وكنا تلامذة وطلبة جادين ومتقبلين لكل توجيه . وكان كل واحد منا مشروعا مستقبليا ناجحا .في تلك الحقبة أيضا كان مركز أبحاث الحج (المعهد حاليا) قصة نجاح أخرى ، وكان محط اهتمام معالي الدكتور راشد الراجح ؛ وكان معاليه يتابع أدق التفاصيل والأبحاث والدراسات ، وغمرتني بالغ السعادة عندما تلقيت خطاب شكر وتقدير خاص باسمي الشخصي من سعادة عميد المعهد في تلك الفترة الدكتور مجدي حريري ، ويشير الخطاب إلى شكر معالي مدير الجامعة الدكتور راشد الراجح وإعجابه بتلك الدراسة التي شاركت فيه حول المطاف بالحرم المكي الشريف . أتذكر أن جميع الأنشطة الطلابية في الجامعة في تلك الفترة كانت تقدم منهجيات قيمة للطلبة خارج مقاعد الدراسة ، وكانت تعدهم للحياة العملية الجادة ، وأكاد أجزم أن جميع طلبة الجامعة الذين انخرطوا ، وشاركوا بجدية في تلك الفترة في نادي عشائر الجوالة ، وفي اللجان الثقافية والاجتماعية والرياضية والتوعوية والمسرحية قد تخرجوا وهم قادة وخبراء منذ بداياتهم الوظيفية . رحم الله معالي الدكتور راشد الراجح ، وجميع من رحلوا من قادة ومسؤولي الجامعة الذين ذكرتهم أو الذين سهوت عنهم ، ورحمهم جميعا ، وأسكنهم فسيح جناته . وحفظ الله الأحياء منهم ، وأمد في أعمارهم بالصحة والسعادة . وأرجو أن أكون قد وقفت في رسم ملامح فترة من عمر هذه الجامعة العريقة أثرت فينا ودعمتنا بالنجاح سنوات وسنوات . ويعلم الله أنه لازال في الذاكرة الكثير والكثير ؛ ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ، ومن السوار ما أحاط بالمعصم .. وكانت هذه من ذاكرتي طالبا وموظفا صغيرا مبتدئا بجامعة أم القرى .. والله ولي التوفيق .

مقال د. عدنان سعد صغير.

 

هاني قفاص

تربوي - اعلامي مكة المكرمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى