المقالات

طموح دولي من قلب الرياض: المركز الدولي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

لا يمثل إصدار النظام الأساسي للمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، المنشور في جريدة «أم القرى»، إجراءً تنظيميًا عابرًا أو إضافة مؤسسية إلى منظومة التقنية في المملكة؛ بل يعكس انتقالًا نوعيًا في فلسفة التعامل السعودي مع الذكاء الاصطناعي.
فبين مواد النظام الـ[23]، تتشكل رؤية تتجاوز استهلاك التكنولوجيا أو الاستثمار في منتجاتها، نحو المساهمة في إنتاج المعرفة المرتبطة بها وصياغة قواعد استخدامها أخلاقيًا وإنسانيًا.
ويمنح النظام المركز شخصية اعتبارية مستقلة ماليًا وإداريًا، ويتخذ من الرياض مقرًا رئيسًا له، ويعمل تحت مظلة اليونسكو بوصفه مركزًا دوليًا من الفئة الثانية. وهذه الصفة تضعه في موقع مختلف عن المبادرات المؤقتة أو الأطر الاستشارية التقليدية، إذ تؤسس لكيان مستدام قادر على العمل البحثي والتدريبي والسياساتي، وعلى بناء جسور بين المختبرات العلمية وصناع القرار والمؤسسات الدولية.

من المبادرات إلى العمل المؤسسي
تكمن أهمية المركز في أنه ينقل مسألة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من مستوى الخطاب العام والتوصيات النظرية إلى مستوى المؤسسة ذات الاختصاصات الواضحة والموارد وآليات الحوكمة. ففي عالم تتسارع فيه الخوارزميات بوتيرة أعلى من التشريعات، تصبح الحاجة ملحّة إلى جهة تمتلك القدرة على قراءة المخاطر مبكرًا، وإنتاج أبحاث تطبيقية، وتحويل المعرفة التقنية إلى سياسات وقواعد قابلة للتنفيذ.
ومن هنا، لا يقتصر دور المركز على دراسة الذكاء الاصطناعي من زاوية أكاديمية، بل يمتد إلى دعم البحث والتطوير، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتقديم التوصيات المرتبطة بالأطر التنظيمية، وبناء القدرات من خلال برامج تدريبية متخصصة. وهي محاور تجعل منه منصة محتملة لربط الجامعات ومراكز الأبحاث بالجهات الحكومية والمنظمات الدولية والقطاع الخاص.

طموح دولي من قلب الرياض
اختيار الرياض مقرًا للمركز، وإدراج ممثل للمدير العام لليونسكو ضمن مجلس الإدارة، إلى جانب ممثلين عن الدول الأعضاء والهيئات الوطنية والدولية، يعكس بوضوح البعد العالمي للمشروع. فالمملكة لا تطرح المركز بوصفه نافذة محلية على النقاشات الدولية، بل كمنصة تسهم في تشكيل تلك النقاشات وصياغة مخرجاتها.
وتتسق هذه الخطوة مع توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي اعتمدتها الدول الأعضاء في عام [2021]، والتي ترتكز على احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، والعدالة، والشفافية، والاستدامة، والإشراف البشري على الأنظمة الذكية. لكن أهمية المركز السعودي تكمن في إمكان تحويل هذه المبادئ العامة إلى أدوات عملية وبرامج تدريبية ومعايير قابلة للاستخدام في البيئات الحكومية والتعليمية والصحية والإعلامية والاقتصادية.
وبذلك، تنتقل المملكة من موقع المتلقي للمعايير التي تُصاغ في عواصم ومؤسسات أخرى، إلى موقع الفاعل الذي يشارك في بناء المرجعيات الدولية ويقدم خبرة قابلة للتداول، خصوصًا في منطقة تحتاج إلى أطر أخلاقية وتنظيمية تراعي تنوعها الثقافي والتنموي والقانوني.

صلاحيات تتجاوز التنظير
يمنح النظام المركز نطاقًا واسعًا من الصلاحيات، تشمل تقديم الاستشارات الفنية، وإعداد الدراسات والتقارير، وتصميم البرامج التدريبية، وإبرام الاتفاقيات والعقود، والمشاركة في أعمال المنظمات الدولية، وقبول التبرعات والمنح والأوقاف، وتحصيل مقابل مالي عن بعض خدماته.
وهذه الصلاحيات تمنحه القدرة على تجاوز صورة المركز البحثي المنعزل، ليصبح شريكًا معرفيًا واستشاريًا للحكومات والمنظمات والمؤسسات. فنجاح أي مؤسسة معنية بالأخلاقيات لا يقاس بعدد الندوات التي تعقدها أو الأوراق التي تنشرها، بل بقدرتها على التأثير في السياسات والقرارات، وعلى تطوير أدوات تساعد الجهات المختلفة في اكتشاف الانحياز الخوارزمي، وحماية الخصوصية، وضبط استخدام البيانات، وفرض المساءلة على القرارات المؤتمتة.
وهنا تتضح قيمة المركز بوصفه أداة لتحويل المبادئ إلى ممارسة. فعندما تستخدم جهة صحية الذكاء الاصطناعي في التشخيص، أو تعتمد مؤسسة تعليمية أنظمة تقييم ذكية، أو توظف جهة حكومية الخوارزميات في تقديم الخدمات، فإن السؤال لم يعد تقنيًا فقط: هل تعمل التقنية بكفاءة؟ بل يصبح سؤالًا أخلاقيًا وقانونيًا: هل هي عادلة وشفافة وقابلة للمساءلة وتحمي حقوق الأفراد؟

حوكمة تجمع السيادة والانفتاح
يعكس الهيكل التنظيمي للمركز معادلة متوازنة بين التوجيه الوطني والانفتاح الدولي. فرئاسة مجلس الإدارة من قبل رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» تضمن ارتباط المركز بالأولويات الوطنية وبالمسار السعودي في تطوير البيانات والذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، يضفي حضور اليونسكو والدول الأعضاء والهيئات الدولية تنوعًا معرفيًا ومصداقية عالمية على أعماله.
كما أن استقلال المركز ماليًا وإداريًا، مع خضوعه للأنظمة المالية في المملكة واعتماد موازنته السنوية وتعيين مراجع حسابات خارجي، يقدم نموذجًا لحوكمة تجمع المرونة المؤسسية بالرقابة النظامية. وهو توازن ضروري لمؤسسة تنخرط في شراكات دولية واسعة، من دون أن تنفصل عن السيادة الوطنية أو أولويات الدولة.

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي كقضية سيادية وإنسانية
لا تتعلق أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بالأجهزة والبرمجيات وحدها؛ بل تمس الإنسان وحقوقه وفرصه وحريته وخصوصيته. فالخوارزمية قد توسع فرص الوصول إلى المعرفة والخدمات، لكنها قد تعيد أيضًا إنتاج التمييز، أو تنتهك الخصوصية، أو تتخذ قرارات مؤثرة في حياة الناس بصورة يصعب فهمها أو الاعتراض عليها.
لهذا، فإن إنشاء مركز دولي متخصص في أبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي يحمل بعدًا سياديًا وإنسانيًا في آن واحد. فهو يعزز قدرة المملكة على بناء سياسات تقنية مستقلة تستند إلى مصالحها وقيمها، وفي الوقت نفسه يفتح المجال للإسهام في حماية الحقوق والكرامة الإنسانية ضمن التحول الرقمي العالمي.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها في سياق «رؤية السعودية 2030»، التي جعلت من اقتصاد المعرفة والتحول الرقمي والابتكار مرتكزات رئيسة للتنمية. فالريادة الحقيقية في الذكاء الاصطناعي لا تتحقق بامتلاك البنية التحتية والبيانات والمواهب فحسب، بل بالقدرة على وضع الضوابط التي تجعل التقنية موثوقة وآمنة وعادلة.
إن الرهان الحقيقي أمام المركز يتمثل في قدرته على إنتاج معرفة مؤثرة، وبناء شراكات فاعلة، وتحويل أبحاثه إلى سياسات ومعايير وبرامج قابلة للتطبيق على المستويين المحلي والدولي. وإذا نجح في ذلك، فلن يكون مجرد مؤسسة تتخذ من الرياض مقرًا لها، بل قد يصبح أحد المراجع الدولية في صياغة قواعد الذكاء الاصطناعي المسؤول، ويمنح المملكة موقعًا متقدمًا في دبلوماسية التقنية وصناعة مستقبلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى