مع اقتراب العودة إلى المدارس، ينشغل الآباء والأمهات بتجهيز الحقائب والملابس والأدوات المدرسية، وتستعد المدارس لاستقبال طلابها، لكن هناك استعدادًا أهم من كل ذلك: هل أعددنا مدارسنا لتكون بيئة آمنة نفسيًا واجتماعيًا لأبنائنا؟
فالطالب لا يحتاج إلى مقعد وكتاب ومعلم فحسب، بل يحتاج قبل ذلك إلى أن يدخل مدرسته مطمئنًا، وألا يقضي يومه وهو يخشى سخرية زميل، أو اعتداء مجموعة من الطلاب، أو كلمة جارحة من معلم أمام زملائه.
قال رسول الله ﷺ: «إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره»، وفي رواية: «اتقاء فحشه». وهذا المعنى النبوي العظيم يفتح لنا بابًا مهمًا للتأمل في ظاهرة التنمر داخل المدارس؛ فكم من طالب يتجنب طالبًا آخر اتقاءً لشره؟ وكم من طفل يغير مكان جلوسه أو طريقه في المدرسة خوفًا من مجموعة تتنمر عليه؟ وكم من طالب يخفي ما يتعرض له لأنه يخشى أن يزداد الأذى إذا اشتكى؟
التنمر ليس دائمًا ضربة أو اعتداءً جسديًا. قد يكون لقبًا ساخرًا يتكرر كل يوم، أو استهزاءً بالشكل أو الوزن أو اللون أو اللهجة أو المستوى الدراسي أو الوضع الاجتماعي، وقد يكون عزلًا متعمدًا للطالب عن زملائه، أو تصويره ونشر مقطع له بقصد السخرية، أو ملاحقته بالإساءة عبر مجموعات التواصل والمنصات الإلكترونية.
والأخطر أن بعض صور التنمر قد تُبرر بأنها «مزاح بين الطلاب»، بينما يعود أحدهم إلى منزله محملًا بالخوف والحزن والانكسار.
لكن الحديث عن التنمر المدرسي ينبغي ألا يتوقف عند تنمر الطلاب على بعضهم.
فالمعلم صاحب رسالة عظيمة ومكانة تربوية رفيعة، والغالبية العظمى من معلمينا ومعلماتنا يدركون حجم هذه الأمانة، لكن قد تصدر من بعض الممارسات التربوية سلوكيات تحمل معنى التنمر أو الإيذاء النفسي؛ كالسخرية من الطالب، أو إطلاق لقب جارح عليه، أو تحقيره بسبب ضعف مستواه، أو مقارنته بزملائه بطريقة مهينة، أو إحراجه أمام الفصل.
قد ينسى المعلم الكلمة بعد دقائق، لكن الطالب ربما يحملها في ذاكرته سنوات.
وهنا ينبغي أن نفرق بين الحزم التربوي والإهانة. من حق المعلم أن يضبط الفصل ويصحح السلوك ويطبق الأنظمة، لكن التأديب لا يحتاج إلى تحقير، والحزم لا يعني التجريح، وتصحيح الخطأ لا يبرر كسر كرامة الطالب.
وكما قد يتعرض الطالب للتنمر، فإن المعلم نفسه قد يصبح ضحية لتنمر بعض الطلاب، سواء بالاستهزاء أو التصوير دون احترام لخصوصيته، أو نشر المقاطع والتعليقات المسيئة عنه، أو محاولة استفزازه أمام زملائه. فالكرامة داخل المدرسة حق للجميع: للطالب والمعلم والإداري وكل من يعمل في البيئة التعليمية.
وهنا يأتي دور الأسرة أيضًا. عندما يعود ابنك من المدرسة صامتًا على غير عادته، أو يرفض الذهاب إليها فجأة، أو تتكرر شكواه من آلام قبل موعد المدرسة، أو تنخفض ثقته بنفسه ومستواه الدراسي، فلا تتسرع في وصفه بالكسل أو الدلال. اقترب منه واسأله واستمع إليه؛ فقد تكون وراء ذلك قصة لا يستطيع أن يرويها بسهولة.
وفي المقابل، إذا اكتشفنا أن ابننا هو المتنمر، فلا ينبغي أن ندافع عنه لمجرد أنه ابننا، ولا أن نختزل الأمر في عبارة: «أطفال ويلعبون». علينا أن نعلمه أن القوة ليست في إخافة الآخرين، وأن الرجولة والشجاعة لا تعنيان إذلال الضعيف، وأن الإنسان المحترم هو الذي يأمن الناس جانبه، لا الذي يبتعدون عنه اتقاء شره.
ومع بداية العام الدراسي، نحتاج إلى رسالة واضحة داخل كل مدرسة: لا مكان للتنمر بيننا. نحتاج إلى ثقافة تجعل الطالب قادرًا على الإبلاغ دون خوف، والمعلم قادرًا على التدخل مبكرًا، والأسرة شريكًا في العلاج، والمدرسة حازمة في حماية كرامة الجميع.
فالنجاح الحقيقي للمدرسة لا يقاس فقط بنتائج الاختبارات ونسب التفوق، وإنما يقاس أيضًا بالسؤال الأهم:
هل يشعر أبناؤنا بالأمان عندما يدخلون أبوابها؟
نريد مدارس يعود منها أبناؤنا بالعلم والذكريات الجميلة، لا بالجروح النفسية. نريد طالبًا يحترم زميله، ومعلمًا يحفظ كرامة طلابه، وطلابًا يقدرون معلميهم، وأسرة لا تتجاهل علامات الخطر.
ومع قرب العودة إلى مقاعد الدراسة، فلنجعلها بداية مختلفة، ولنعلم أبناءنا قاعدة بسيطة لكنها عظيمة:
لا تكن الشخص الذي يتجنبك الآخرون اتقاء شرّك… بل كن الشخص الذي يأمنون بوجوده.
فالمدرسة الآمنة لا تصنع طالبًا متفوقًا فحسب، بل تصنع إنسانًا يحترم الإنسان.


