كتاب الرأي

التنمر في المدارس.. من سلوك عابر إلى قضية تستدعي المواجهة

في كل صباح، تتجه آلاف الأسر بأبنائها إلى المدارس وهي تحمل أملاً بأن تكون المدرسة المكان الذي يتعلم فيه أبناؤهم العلم، ويبنون شخصياتهم، ويكتسبون مهارات التواصل والثقة بالنفس. لكن بالنسبة لبعض الطلاب، قد تتحول المدرسة من بيئة للتعلم والأمان إلى مصدر للخوف والقلق بسبب ظاهرة التنمر المدرسي.

والتنمر ليس مجرد مزحة ثقيلة، أو خلاف عابر بين طالبين، بل سلوك متكرر يقوم على الإيذاء أو الإقصاء أو السخرية أو التهديد، ويترك آثاراً قد تمتد إلى الصحة النفسية والتحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية للطالب، بل قد تؤثر في شخصيته وثقته بنفسه لسنوات طويلة.

من أين يبدأ التنمر؟

لا يوجد سبب واحد للتنمر، فهو ظاهرة متعددة العوامل تتداخل فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي وشخصية الطالب نفسه.

أولاً: الأسباب الأسرية

تلعب الأسرة دوراً محورياً في تشكيل سلوك الطفل. فالبيئة التي يسودها العنف اللفظي أو الجسدي، أو التمييز بين الأبناء، أو الإهمال العاطفي، قد تنتج أنماطاً سلوكية عدوانية لدى بعض الأطفال.

كما أن غياب الحوار والرقابة الأبوية وضعف متابعة ما يشاهده الطفل في وسائل الإعلام والألعاب والمنصات الرقمية قد يسهم في اكتساب سلوكيات تتضمن السخرية والإهانة والعنف.

ثانياً: الأسباب المدرسية

قد تسهم بعض الممارسات المدرسية في تفاقم المشكلة، خصوصاً عندما يشعر الطالب بأن الشكوى لن تؤخذ بجدية، أو عندما لا توجد آلية واضحة وسريعة للتعامل مع حالات التنمر.

كما أن كثافة الفصول، وضعف الإشراف في بعض الأماكن مثل الممرات والساحات والحافلات، وعدم تدريب المعلمين على اكتشاف العلامات المبكرة للتنمر، كلها عوامل يمكن أن تسمح باستمرار المشكلة.

ثالثاً: التأثير الرقمي

لم يعد التنمر محصوراً داخل أسوار المدرسة. فقد انتقل إلى الهواتف ومنصات التواصل والألعاب الإلكترونية، وأصبح ما يعرف بـالتنمر الإلكتروني أكثر تعقيداً؛ لأن الإساءة قد تصل إلى عدد كبير من الأشخاص، وقد تستمر آثارها على مدار الساعة.

وقد تكون صورة أو تعليق ساخر أو مقطع فيديو مهين كافياً لإلحاق أذى نفسي كبير بالطالب.

رابعاً: أسباب مرتبطة بالطالب

قد يرتبط التنمر أحياناً بالرغبة في فرض السيطرة أو جذب الانتباه أو إثبات الذات أمام الأقران. وفي حالات أخرى قد يكون الطالب المتنمر نفسه يعاني من مشكلات أسرية أو نفسية أو اجتماعية، فيحول مشاعره السلبية إلى سلوك عدواني تجاه الآخرين.

وهنا يجب التأكيد على أن فهم أسباب التنمر لا يعني تبريره، وإنما يساعد على اختيار التدخل المناسب.

أشكال التنمر.. ليست كلها واضحة

يأخذ التنمر أشكالاً متعددة، بعضها ظاهر وبعضها يحدث في الخفاء، ومن أبرزها:

* التنمر اللفظي: السخرية، الإهانة، إطلاق الألقاب، التهديد.
* التنمر الجسدي: الضرب، الدفع، الاعتداء أو إتلاف الممتلكات.
* التنمر الاجتماعي: العزل والإقصاء ونشر الشائعات وتحريض الآخرين على عدم التعامل مع الطالب.
* التنمر النفسي: التخويف والإذلال والتلاعب بمشاعر الضحية.
* التنمر الإلكتروني: نشر الصور أو المقاطع المسيئة، أو الرسائل العدوانية، أو التشهير عبر المنصات الرقمية.
* التنمر المرتبط بالمظهر أو القدرات: السخرية من شكل الطالب أو لهجته أو مستواه الدراسي أو قدراته.

والخطورة أن بعض هذه الممارسات قد تُقدَّم على أنها “مزاح”، بينما يكون الطالب المستهدف عاجزاً عن الدفاع عن نفسه أو الإفصاح عما يتعرض له.

آثار التنمر.. جرح لا يظهر على الجسد

قد لا يترك التنمر كدمة واضحة، لكنه قد يترك أثراً عميقاً في شخصية الطالب.

فالطالب الذي يتعرض للتنمر بصورة متكررة قد يفقد ثقته بنفسه، ويتراجع تحصيله الدراسي، ويفقد الرغبة في الذهاب إلى المدرسة، ويميل إلى العزلة، وقد تتغير علاقاته بزملائه ومعلميه وأسرته.

كما يمكن أن يؤثر التنمر في الشعور بالانتماء إلى المدرسة، وهو عنصر أساسي في نجاح العملية التعليمية.

ومن هنا فإن التعامل مع التنمر يجب ألا يكون باعتباره مجرد “مشكلة سلوكية”، وإنما باعتباره قضية تتعلق بسلامة البيئة التعليمية وجودة حياة الطالب.

من العقوبة إلى الوقاية

إن الحد من التنمر لا يتحقق فقط بفرض العقوبات بعد وقوع المشكلة، بل يحتاج إلى الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية المبكرة.

1. بناء ثقافة مدرسية رافضة للتنمر

ينبغي أن تكون الرسالة واضحة لجميع الطلاب:

لا للتنمر.. لا للسخرية.. لا للإقصاء.. لا للعنف.

ويجب أن تتحول هذه الرسالة إلى ثقافة يومية، وليست مجرد شعار يكتب على جدار المدرسة.

2. تدريب المعلمين والمرشدين

المعلم والمرشد الطلابي في موقع يسمح لهما باكتشاف التغيرات السلوكية والنفسية لدى الطالب.

لذلك من المهم تدريب العاملين في المدارس على:

* اكتشاف العلامات المبكرة للتنمر.
* التعامل مع الطالب المتنمر والطالب المتضرر.
* إدارة النزاعات بين الطلاب.
* التمييز بين الخلاف الطبيعي والتنمر المتكرر.
* التعامل مع التنمر الإلكتروني.
* إحالة الحالات التي تحتاج إلى تدخل متخصص.

3. إنشاء قنوات آمنة وسرية للإبلاغ

من أكبر التحديات أن بعض الطلاب لا يبلغون خوفاً من الانتقام أو وصمة “الشكوى”.

لذلك يمكن إنشاء قنوات متعددة وآمنة للإبلاغ، مثل منصة إلكترونية أو رمز QR أو صندوق بلاغات سري، مع التأكيد على حماية هوية الطالب وسرية المعلومات.

والأهم من وجود قناة للإبلاغ هو سرعة الاستجابة.

4. إشراك الأسرة

لا يمكن للمدرسة أن تواجه التنمر وحدها.

يجب بناء شراكة مستمرة بين المدرسة والأسرة من خلال لقاءات توعوية وبرامج إرشادية تساعد الآباء والأمهات على التعرف على مؤشرات تعرض أبنائهم للتنمر أو ممارستهم له.

ومن المهم ألا يكون رد فعل الأسرة تجاه الطفل المتنمر هو الإهانة أو العنف، لأن معالجة العنف بالعنف قد تزيد المشكلة تعقيداً.

5. تمكين الطلاب أنفسهم

الطلاب ليسوا جزءاً من المشكلة فقط، بل يمكن أن يكونوا جزءاً أساسياً من الحل.

ويمكن إنشاء سفراء لمكافحة التنمر من الطلاب، وتدريبهم على نشر ثقافة الاحترام والتسامح ومساندة زملائهم والإبلاغ عن السلوكيات الخطرة.

كما يمكن إدخال موضوعات الذكاء العاطفي، وإدارة الغضب، والتواصل الإيجابي، وحل النزاعات ضمن الأنشطة المدرسية.

6. مواجهة التنمر الإلكتروني

تحتاج المدارس إلى برامج متخصصة في المواطنة الرقمية، تشرح للطلاب أن ما ينشرونه على الإنترنت يمكن أن تكون له آثار حقيقية على الآخرين.

ويجب تعليم الطالب:

* احترام خصوصية الآخرين.
* عدم نشر الصور أو المقاطع دون إذن.
* عدم المشاركة في السخرية الجماعية.
* حفظ الأدلة عند التعرض للإساءة.
* الإبلاغ عن المحتوى المسيء.
* طلب المساعدة من شخص بالغ موثوق.

7. الاهتمام بالطالب المتنمر أيضاً

من الأخطاء الشائعة التركيز على الضحية وإهمال الطالب المتنمر.

فالطالب الذي يمارس التنمر يحتاج أيضاً إلى تدخل تربوي يساعد على فهم دوافع سلوكه وتصحيحها، وتعليمه مهارات التعاطف وضبط الانفعالات وتحمل المسؤولية.

الهدف ليس الانتقام من المتنمر، بل إيقاف السلوك وإعادة بناء السلوك الإيجابي، مع تطبيق الإجراءات التأديبية المناسبة عندما تستدعي الحالة ذلك.

مقترح عملي: “مدرسة بلا تنمر”

يمكن للمدارس تبني برنامج متكامل تحت شعار “مدرسة بلا تنمر” يقوم على خمسة محاور:

المحور الأول: الوقاية
برامج توعوية مستمرة للطلاب والمعلمين والأسر.

المحور الثاني: الرصد المبكر
استبيانات دورية ومؤشرات سلوكية لرصد انتشار الظاهرة وتحديد البيئات الأكثر عرضة لها.

المحور الثالث: الإبلاغ الآمن
قنوات إلكترونية وسرية وسهلة الاستخدام للطلاب.

المحور الرابع: التدخل والعلاج
خطة واضحة للتعامل مع كل حالة، تشمل الطالب المتضرر والمتنمر والشهود.

المحور الخامس: القياس والتقييم
قياس سنوي لمؤشرات التنمر، ومراجعة الإجراءات، ونشر نتائج التحسن على مستوى المدرسة.

والأهم.. لا تجعلوا الطالب شاهداً صامتاً

هناك طرف غالباً ما يتم تجاهله في معادلة التنمر: الطالب الذي يشاهد التنمر ولا يشارك فيه.

هذا الطالب يستطيع أن يكون عاملاً حاسماً في الحد من الظاهرة.

فحين يرفض الطلاب الضحك على الإساءة، ويرفضون مشاركة المحتوى المهين، ويقفون إلى جانب زميلهم، ويبلغون عن السلوك المؤذي، فإن البيئة التي يعيش فيها المتنمر تتغير.

ولهذا فإن مواجهة التنمر يجب ألا تكون علاقة بين “متنمر وضحية” فقط، بل مسؤولية المتنمر والضحية والشهود والمعلمين والأسرة والإدارة والمجتمع.

الخلاصة

التنمر المدرسي ليس مشكلة طالب واحد، ولا مسؤولية معلم واحد، ولا قضية يمكن حلها بعقوبة واحدة.

إنها قضية تربوية ومجتمعية تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، وتصل إلى الفضاء الرقمي.

والمدرسة الناجحة ليست التي تخلو من المشكلات، وإنما التي تمتلك القدرة على اكتشاف المشكلة مبكراً، والتعامل معها بعدالة، وحماية الطالب، وإعادة بناء السلوك.

إن الاستثمار في بيئة مدرسية آمنة هو استثمار في الإنسان قبل أن يكون استثماراً في التعليم؛ فالطالب الذي يشعر بالأمان والاحترام هو الأقدر على التعلم والإبداع وبناء مستقبله.

فلنجعل رسالتنا لأبنائنا واضحة:
اختلافك ليس عيباً، ومظهرك ليس مادة للسخرية، وضعفك ليس مبرراً لإيذائك، ومدرستك مكان للتعلم والنمو والأمان.

ومن هنا تبدأ مدرسة بلا تنمر.. ومجتمع أكثر احتراماً وإنسانية

أ.د. فيصل بن عبدالرحمن أسره

أستاذ الهندسة البيئية والمياه المشارك، بكلية الهندسة والعمارة الإسلامية بجامعة أم القرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى