تلقيت اتصالًا من أحد الإعلاميين يطلب مني سيرةً عن والدي، الإعلامي القدير عبدالرحمن الغامدي، الذي يُعد أول مذيع من أبناء غامد، وهي ريادة تمنح البحث في تجربته بُعدًا يتجاوز السيرة الشخصية إلى توثيق مرحلة من بدايات الحضور الإعلامي لأبناء المنطقة. كان الطلب في ظاهره يسيرًا: تواريخ، ومحطات، وأعمال تُجمع في سطور؛ غير أنني ما إن بدأت البحث حتى وجدتني أمام زمنٍ لا يسهل استعادته من أرشيف حاضر، ولا تستجيب تفاصيله سريعًا لمحركات البحث. فقد غادر والدي العمل الإعلامي عام 1400هـ، منتقلًا إلى إدارة جديدة وعمل جديد ظل، بطبيعته، جزءًا أصيلًا من الإعلام، وبقيت سنواته الأولى موزعة بين ذاكرة من عاصروه وما بقي من أخبار تلك المرحلة ووثائقها.
وفي رحلة البحث، تواصلت مع الإعلامي القدير الأستاذ إسماعيل الوزير، أحد الأسماء التي برزت في إعداد البرامج في القناة السعودية آنذاك. اتصلت أبحث عن معلومة، فإذا بالمكالمة تفتح لي بابًا إلى زمن كامل.
بدأ حديثه عن والدي بعبارة بقيت عالقة في ذهني: «والدك كان له حضوران؛ وُفّق بجمال الملامح، كما كان ذا ثقافة ووعي». ثم أخذ يستعيد ما بقي حاضرًا في ذاكرته، موضحًا أن تواريخ الالتحاق لا تحضره على وجه الدقة لبعد السنوات، وأن البرامج في تلك المرحلة كانت قليلة، وذكر منها نشرة الأخبار، وبرنامجًا يحمل اسم «أمسيات من الخليج»؛ وهو اسم لافت بذاته، وعلى الأرجح أنه كان من البرامج التي تُعرض في نهاية الأسبوع، وإن كنت لا أملك حتى الآن ما يوثق موعد بثه على وجه الدقة. ووعدني بأن يزوّدني بمزيد من المعلومات عن تلك المرحلة وبرامجها.
لكن أجمل ما في الذاكرة أنها حين تُفتح لا تستدعي الوظيفة وحدها؛ بل تستدعي الإنسان معها.
سرعان ما تجاوز الأستاذ إسماعيل الوزير أسماء البرامج وتواريخها، وأخذ يتحدث عن عبدالرحمن الغامدي الصديق، وعن حضوره بين زملائه، وثقافته، وملامح شخصيته، وعن تفاصيل لا مكان لها عادةً في السيرة المهنية، لكنها ربما تكون أصدق ما يبقى منها. كان يتحدث عنه بجمال ووفاء حتى شعرت أنني لم أعد أجمع مادةً عن رجل غاب، بل أستمع إلى رجل يستعيد صديقًا لم يغب تمامًا عن ذاكرته.
ثم جاءت عبارته لي، بعفويتها الشعبية الجميلة: «ابن الوز عوام».
ضحكت، لكن العبارة بقيت معي بعد انتهاء المكالمة؛ لا لأنها قيلت لي فحسب، بل لأنها جاءت بعد حديث طويل عن والدي، فكأن الرجل اختصر بها المسافة بين جيلين بكلمات قليلة.
أغلقت الهاتف، وبدأ سؤال آخر يشغلني أكثر من التواريخ التي كنت أبحث عنها: كيف استطاع ذلك الجيل أن يصنع كل هذا الحضور في زمن كان الوصول فيه إلى الناس أصعب؟
فالانتشار الذي نعرفه اليوم لم يكن متاحًا آنذاك بهذه السعة. لم تكن هناك منصات متعددة، ولا نافذة شخصية يستطيع الإعلامي أن يفتحها لجمهوره متى شاء، ولا مادة تعبر في لحظات إلى آلاف المتلقين. كانت وسائل البث قليلة، والبرامج منتقاة، ومساحات الظهور أضيق، ومنافذ الوصول إلى الجمهور لا تتجاوز قنوات معدودة.
ولذلك لم يكن الظهور أمرًا هيّنًا، ولم تكن معرفة الناس بالاسم وليدة كثرة المنافذ؛ من كان يظهر، كان يظهر فعلًا.
كان على الإعلامي أن يملك ما يؤهله لتلك المساحة؛ ثقافةً، ولغةً، وحضورًا، واستعدادًا، وقدرةً على مخاطبة جمهور واسع من نافذة واحدة. وحين يصل إلى الشاشة، فإنه يصل إلى مجتمع يكاد يجتمع على الوسيلة ذاتها؛ فيُعرف الاسم، ويُحفظ الوجه، ويألف الناس الصوت والحضور.
وليس في استعادة ذلك الزمن مفاضلة بين إعلام الأمس وإعلام اليوم؛ فالإعلام ابن زمنه، ولكل مرحلة أدواتها وفرصها وتحدياتها. لكن ما يستحق التأمل أن قلة الوسائل آنذاك لم تحدّ من اتساع الأثر؛ بل جعلت الوصول أصعب، ومنحت الاسم الذي استطاع بلوغ الناس قيمةً لا تصنعها وفرة الظهور، بل يصنعها استحقاقه له.
وربما لهذا وجدتني، بعد أكثر من أربعة عقود، أبحث عن تاريخ والدي في الأوراق، بينما وجدته حاضرًا بالتفاصيل في ذاكرة رجل عمل معه.
وهنا أدركت أنني ربما كنت أبحث في المكان الأقل قدرة على حفظ الإنسان؛ فالأوراق تحفظ التاريخ، والأرشيف يحفظ المادة، لكن الناس وحدهم يحفظون الأثر.
تقول الأوراق متى بدأ الإنسان ومتى غادر، وتحصي المناصب والبرامج والسنوات، لكنها لا تستطيع أن تخبرك كيف بقي بعد رحيله عن المكان، ولا بأي وصف يُستقبل اسمه حين يُذكر بعد كل هذه العقود. تلك مهمة الذاكرة؛ ذاكرة الذين عرفوه عن قرب، وعملوا معه، وتقاسموا معه زمنًا لا يعود.
ولعل أجمل سيرة يتركها الإعلامي بعد أن تنطفئ أمامه أضواء الاستديو، ألا يحتاج اسمه إلى أرشيف كي يُستعاد؛ يكفي أن تذكره أمام رفاق زمنه، فتضيء الذاكرة من تلقاء نفسها. وإن غاب والدي عن الإعلام منذ أعوام بعيدة، فهو لم يغب عني يومًا؛ حاضرٌ معي في كل يوم، في الذاكرة، وفي التفاصيل، وفي كل أثرٍ جميل تركه لي، وكلما أعاده أحدهم بحديثٍ كهذا، أدركت أن بعض الغياب لا يملك من الغياب إلا اسمه..

