مساء السبت 23 ربيع الأول 1448هـ، كنت في ضيافة أخي الحبيب معالي الدكتور بكري عساس، مدير جامعة أم القرى السابق، في لقاء أقامه على شرف كاتبنا المبدع، صاحب كتاب «يوميات لندن»، الأستاذ الدكتور فايد محمد سعيد، الأمين العام للمجلس الأعلى لمسلمي أوروبا.
كان في مقدمة الحضور فضيلة الشيخ الدكتور سعود الشريم، إمام وخطيب المسجد الحرام سابقًا، ومعالي الدكتور محمد صالح بنتن، وزير الحج والعمرة السابق، والدكتور عبدالعزيز عبدالله خياط، وأخي الموسوعي فريد مخلص، كبير الإذاعيين، والمذيع المتألق سعود بن مطلق الذيابي، وعدد من الأحبة.
ضم المجلس شخصيات لكل واحدة منها تجربة تستحق أن تُروى. دار الحديث بين العلم والإدارة والإعلام والدعوة، وتنقلت الذاكرة من مكة إلى لندن، ومن منبر الحرم إلى استوديو الإذاعة، ومن الجامعة إلى الصحافة.
وفي تلك الليلة تلقيت ثلاث هدايا، لكل واحدة منها معنى خاص.
كانت الأولى من فضيلة الشيخ سعود الشريم، الذي أهداني عطره الخاص «عطر سعود». وهو من تركيبته، صنعه للإهداء، ويحمل اسمه في هوية بصرية جميلة تتوسطها قبة تحف بها منارتان.
ويلفت النظر في هوية العطر حضور القبة والمنارتين؛ فهما تختصران المكان الذي عرف الناس فيه الشيخ سعود الشريم، وارتبط به صوته في الذاكرة الإسلامية. فمن المسجد الحرام وصل صوته إلى ملايين المسلمين، وظل حاضرًا في وجدانهم بما حمله من خشوع وعذوبة.
كان العطر جميلًا وفواحًا كجمال روح صاحبه، ولهذه الهدية عندي قيمة؛ لأنها تحمل شيئًا من شخصية مُهديها، واسمًا له في نفوس الناس مكانة ومحبة.
أما الهدية الثانية، فجاءت من أخي الإعلامي القدير فريد مخلص، صاحب التجربة الإذاعية الطويلة، الذي دخل أحد برامجه موسوعة غينيس للأرقام القياسية. أعاد طباعة صورتي مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، وقدمها لي في إطار يليق بقيمتها.
بهذه الهدية أعاد إليّ فريد لحظة أعتز بها ما حييت. بعض الصور تصبح جزءًا من سيرة الإنسان وذاكرته، وتزداد قيمتها كلما مرت عليها السنوات؛ لأنها تحفظ لحظة لا يستطيع الزمن إعادتها.
وجاءت الهدية الثالثة من لندن، وتحديدًا من مؤسسة أمان في المملكة المتحدة، وهي «درع القيادة والتميز الإعلامي في الظروف الصعبة».
لهذا الدرع مكانة مختلفة في نفسي؛ فهو تقدير لسنوات من العمل في الصحافة، ولمسيرة واجهت خلالها ظروفًا صعبة. ومن ثمار هذه المسيرة كتاب «يوميات لندن»؛ ولدت فكرته في مكة، واحتضنت صحيفة مكة مقالاته، ثم حلّق من لندن ووصل إلى قرائه في الوطن العربي وخارجه. وها هو مؤلفه الدكتور فايد محمد سعيد يعود إلى مكة، ويهديني نسخة منه مع «درع القيادة والتميز الإعلامي في الظروف الصعبة».
شعرت في تلك الليلة أن الله أكرمني بمحبة هؤلاء الفضلاء، وبمجلس جمع رجالًا ترك كل واحد منهم أثرًا في مجاله، وبلحظات صنعتها المودة وستبقى في الذاكرة.
خرجت من دار الكريم المضياف معالي الدكتور بكري عساس أحمل عطرًا، وصورة، ودرعًا، ومعها معانٍ أبقى من الأشياء نفسها.
سيبقى «عطر سعود» في قارورته، وستبقى الصورة في إطارها، وسيأخذ الدرع مكانه، أما الهدية الأثمن فهي ذلك الشعور بأن ما يزرعه الإنسان في سنوات عمره قد يعود إليه يومًا محبةً ووفاءً وتقديرًا.
كانت ليلة لها عطرها الخاص؛ فاح فيها «عطر سعود»، واختلط بطيب الصحبة وجمال الذكريات ووفاء الرجال.










