جدة أم الرخا والشدة.
نسمع هذه المقولة منذ كنا شبابًا؛ عبارة خفيفة الظل تخلب الألباب، وخاصة على العشاق، فجدة تتدلع عليهم وعلى باقي الأماكن، وتداعبهم بخفة دم أهلها، وتقول: «إيش جاب لجاب».
جدة عشاقها كثر، وهي كـ«ليلى» في مقولة: «كل يدّعي وصلًا بليلى»، ولكن جدة تخالف ليلى، فتقر لهم بذلك؛ لأنها وفية، إذا تقدمت لها خطوة مشت نحوك خطوات.
عملت في نجدة جدة ثلاث سنوات، ومن خلالها، ومع البعد الإعلامي، تعرفنا على الكثير، وزادت معرفتنا بالمجتمع. الاتحاد الذي عايشناه في شدته أكثر من رخائه، فالقلب يعشق الجميل على كل حالاته، والاتحاد بالنسبة لجمهوره هو العشق الذي لا يُمل. كلما جافاهم، وبدون قصد، تعتّق حبه في حناياهم وتوقد.
كان معظمنا لا يملك سيارة، ولكن هذه ميزة لها إيجابية؛ فكانت تجمعنا سيارة واحدة، وغالبًا ما تجد في كل سيارة اثنين أو ثلاثة وأكثر، فتتوطد صداقات عميقة ما كان لها أن تحصل لو كان كل منا يملك سيارته، وكلٌّ على همه سرى.
كنا نتواعد، ومن ثم ننطلق إلى الوصلة الترفيهية التي لا تتعدى براد أبو أربعة أسود في قهوة، وتعميرة لمن ابتُلي وفُتن بها.
قهوة كاظم تقع على طريق المدينة، وكان الذهاب إليها رحلة، وفي نفس الوقت نزهة ومتعة. وكنا نعد ذلك مشوارًا بعيدًا، ولكن موقعها الآن ربما لا يتجاوز شارع صاري.
من عاش في جدة وليالي الرطوبة في الصيف بالذات، والنوم في الحوش أو السطح تلمسًا لجو أفضل، ولكن وين ما تروح، خراجك للرطوبة والبعوض.
فأبناء الذوات، هربًا من القرص، يلجأون للناموسية، وهي عبارة عن خيمة مصغرة، لابد منها؛ فالناموس ذلك الوقت قرصته والقبر.
وبيني وبينكم، أحسست عندما قرصتني ناموسة قبل كم يوم أنها حفيدة بارة بتلك النواميس الغابرة، فلم تكذب خبرًا، ووين يوجعك. ورغم الألم تمنيت أن بعض البشر يوفون للإرث كما تفعل تلك الناموسة، مع التحفظ على الأسباب.
الناموسية التي قد ننام تحتها لو كنا محظوظين، فعادة الأولوية للكبار. وعادك صغير جاهل، يربونك وتبي كمان تسوي زيهم!
ولكن أحيانًا تبدأ الواسطات الحبية من ست البيت؛ فقلبها حنين وما يهون عليها نتقروص.
طبعًا، تلك أيام كانت الواسطات التي لا تضر ولا على حساب أحد مقبولة ومرحبًا بها، وبالهكي.
وندخل الناموسية ولا كأننا في قصر الإليزيه. أو البيت الأبيض (برا وبعيد )فكانت تتبلبل من الندى، وتكون محظوظ إذا ما نقطت علي حين غفلة فنكدت عليك.
إلى الآن لا أعرف معنى عندما نتأخر عن الصحيان، يقال لنا: «وينك يا أخونا، باين عليك ناموسيتك كحلي»، مع أن عمرها ما كانت كحلي ولا يحزنون، بل كانت غبراء، ومن الهواء ذبنا.
كان التأخر في النوم، إن حصل، لا يتعدى الساعة السادسة صباحًا. فبعد الفجر الكل صاحي: «هيا يا أولاد، راح تفوتكم المدرسة»، ونوصل المدرسة ولسا باقي 30 دقيقة على الحصة. مدري هي من زود اهتمام ولا تصريفة.
المسافة كانت أكثر من كيلو متر، والأرض ترابية. طبعًا، الوصول لها كان كعابي، حتى دراجة عادية بح. الفلوس كانت عزيزات. أصلًا الجيب في الثوب ما كان له ضرورة؛ لأنه مجرد زينة وكماليات.
أما الست باعوضة، فهي قارصة انضباطية، ومتعودة دائمًا على جدولك. فهي قاعدة لك بالمرصد، يا ويلك تخرج يدك أو رجلك أو حتى طرف إصبعك، وإلا ما تشوف إلا لذعة على الطاير، ووين يوجعك!
وبعد ما تصحو في الصباح، خاصة الستات، فهن لا يحتجن أن يضعن حمرا للخدود؛ فقد قامت الناموسة بالواجب.
وكان الذي يضطرنا للنوم في الحوش أو السطح أن تلك الأيام لم نكن نعرف «الكنديشن». وهذه من الكلمات التي لوينا ذراعها، وخاصة عندما أصبحت متيسرة، وتجيك العبارة من ضيفة ما صدقت أنه عندكم مكيف ويمكن جيتها عشان تتبرد لا غير :
«يا جماعة، فكوا الكنديشن، ترى الدنيا حر وزمطة وما تنطاق».
كانت المروحة الخصف هي سيدة الموقف، وشبه متوفرة في كل بيت في ذلك الحين، ويا دوب تهوي بها على نفسك، تبي نسمة ولو بالقطارة، ولكن سرعان ما تفتر يدك وترميها جانبًا.لتتلقفها يد أخري وهكذا.
في جدة عرفت الثقافة من خلال الصحافة ومسرح التلفزيون الذي حضرته وأنا طالب. وأذكر غنّى طلال: «ظالم ولكن»، وأبو بكر: «قلبي المتعوب»، وعبد القادر حلواني: «يا شاغل بالي يا أسمر».
لقد زرت، وأنا ملازم في نجدة جدة، كبار الأدباء، منهم الأفاضل: محمد حسن فقي، ومحمود عارف، وعزيز ضياء، ومحمد حسين زيدان.
ومن الصحفيين: عبدالله خياط، ومحمد حسين أصفهاني، وأبو مدين. وصالح وأحمد جمال. كانوا روادًا ملأوا المشهد بضجيج ثقافي بكل هدوء، أثْروا حياتنا، فتلقينا وتعلمنا.
تتلمذنا على أدبهم ومعرفتهم، وتعلمنا من مسيرتهم الكثير. يا لجمال تلك الأيام التي كانت تجمع الكل! كان أكبرهم علمًا، عندما تلتقي به، تشعر أنك رفيق درب، رغم بُعد مسافات العلم والثقافة وخبرة السنين وتجاربها.
رحمهم الله.
وهكذا جدة، تنجب الكبار وتأخذ بيد الناشئين. إذا أنت ابن بار، فهي أم رؤوم، قلبها لا يعرف إلا الحب وتبادل الوفاء.
0

