كتاب الرأي

أصدقاء الكراسي

ليست كل يد تمتد إليك مصافحةً تبحث عنك، ولا كل هاتف يرن يسأل عنك، ولا كل من يقترب منك يريد صحبتك، ففي حياة المسؤولين وأصحاب النفوذ فئة من الناس يصعب اكتشافها في البداية؛ لأن علاقتها تبدو صداقة، وحديثها مودة، وحضورها دائم، لكنها في الحقيقة لا ترتبط بالشخص بقدر ارتباطها بالموقع الذي يشغله.
هؤلاء هم ” أصدقاء الكراسي “.
وهم ليسوا ظاهرة جديدة، فقد عرف الناس في كل زمان من يقترب من السلطة والجاه والمال بحثًا عن مصلحة. لكن المنصب يجعل اكتشافهم أكثر صعوبة؛ لأن صاحبه لا يعرف دائمًا من جاء إليه تقديرًا له، ومن جاء لأن بيده قرارًا، ومن يعجبه فكره، ومن يحتاج توقيعه أو اتصاله أو معرفته بشخص آخر.
ولا يقتصر الأمر على المناصب الحكومية الكبرى. لكل مجتمع كراسيه؛ مدير المؤسسة، ورجل الأعمال، وصاحب القرار، والشخصية الاجتماعية المعروفة، وحتى من يملك شبكة واسعة من العلاقات، وحول كل واحد من هؤلاء يمكن أن تنشأ علاقات تبدو في ظاهرها اجتماعية، بينما تقوم في داخلها على حسابات أخرى.
وليس في وجود المصالح بين الناس عيب في حد ذاته، الحياة والعمل والتجارة تقوم على تبادل المنافع، والناس يحتاج بعضهم إلى بعض، المشكلة تبدأ عندما ترتدي المصلحة ثوب الصداقة، وعندما تتحول المجاملة إلى محبة مصطنعة، ويظن الإنسان أن حوله أصدقاء، بينما بعضهم ينتظر فقط ما يستطيع الحصول عليه.
صديق الكرسي غالبًا شديد الحضور عندما تكون قادرًا على العطاء. يتصل، ويسأل، ويزور، ويحرص على اللقاء، ويتذكر المناسبات، وربما بالغ في الثناء والإعجاب، ثم تتغير الصورة عندما تتغير الظروف، تقل الاتصالات، وتتباعد اللقاءات، وتظهر المشاغل التي لم تكن موجودة من قبل، وقد يكتشف الإنسان عندها أن بعض العلاقات التي حسبها صداقات طويلة لم تكن معه أصلًا، وإنما كانت مع الصفة المكتوبة أمام اسمه.
والأغرب أن بعض أصحاب هذا السلوك قد لا يرون أنفسهم انتهازيين، لقد اعتادوا ترتيب علاقاتهم وفق مواقع الناس، فيقتربون ممن يصعد، ويتباعدون عمن يغادر، ويبحثون دائمًا عن الدائرة الأقرب إلى القرار، وإذا تغير صاحب الكرسي، انتقلوا إلى القادم الجديد بالسرعة نفسها.

وللكرسي، رغم ذلك، فائدة لا تقدر بثمن: إنه يكشف الناس. لكنه لا يكشفهم وهم حولك فقط، بل يكشفهم بصورة أوضح عندما تقوم عنه.

عندها تهدأ بعض الهواتف، وتقل الدعوات، وتختفي وجوه كانت حاضرة باستمرار. وقد يشعر الإنسان بشيء من الأسى، لكنه مع الوقت يدرك أن ما حدث لم يكن خسارة، بل معرفة متأخرة بحقيقة بعض العلاقات، فالدائرة قد تصبح أصغر، لكنها أكثر صدقًا.

ومن هنا أعتقد أن على المسؤول، وهو لا يزال في موقعه، ألا يسمح للكرسي بأن يخدعه، كثرة الداخلين إلى مكتبه لا تعني كثرة محبيه، وكثرة الدعوات لا تعني مكانته الشخصية، والثناء الذي يسمعه ليس دائمًا رأيًا حقيقيًا فيه، ومن الحكمة أن يحتفظ بأصدقائه القدامى، وبأولئك الذين لا يترددون في مخالفته، وأن يسأل نفسه من وقت إلى آخر: لو لم أكن في هذا الموقع، كم واحدًا من هؤلاء سيظل قريبًا مني؟

والقائد الذكي يحتاج خصوصًا إلى من يقول له “لا” أكثر من حاجته إلى من يكرر أمامه “نعم”. فأصدقاء المصالح لا يضرون المسؤول فقط عندما يتركونه، بل قد يكون ضررهم الأكبر وهم حوله؛ لأن المبالغة في المديح، وإخفاء الأخطاء، والموافقة الدائمة، قد تصنع حول صاحب القرار عالمًا غير حقيقي، فيظن أن كل ما يفعله صواب وأن كل من حوله معجب به.

أما الصديق الحقيقي فلا تتغير لغته بتغير موقعك. يستطيع أن يخالفك وأنت قوي، وأن يبقى قريبًا منك عندما لا يعود قربه يحقق له شيئًا، لا يحسب قيمة العلاقة بما تستطيع تقديمه، ولا يحتاج إلى مصلحة حتى يتذكرك.

ومع ذلك، ليس من العدل أن نفسر كل ابتعاد بأنه خيانة أو مصلحة، فالناس تتغير ظروفهم، وتتباعد مسارات حياتهم، وتفرض السنوات التزاماتها. لذلك لا ينبغي أن يتحول الوعي بأصدقاء الكراسي إلى سوء ظن بالناس. لكن هناك سؤالًا بسيطًا يكشف الكثير: ماذا يبقى بين شخصين عندما لا يعود أحدهما يملك للآخر شيئًا؟

إذا بقي الود والسؤال واللقاء والصدق، فالعلاقة كانت بالإنسان. وإذا انتهى كل شيء بانتهاء المنفعة، فقد كانت العلاقة منذ البداية مع الكرسي.

ومع تقدم العمر يدرك الإنسان أن قيمة حياته ليست في عدد الذين ازدحموا حوله عندما كان قادرًا على خدمتهم، وإنما في الذين ظلوا قريبين منه عندما لم يعودوا ينتظرون منه شيئًا، عندها قد تصبح الدائرة أصغر، لكنك تعرف أسماء من فيها جيدًا.

الكراسي لا تدوم، وهذه ليست مشكلة الكراسي، بل ربما كانت إحدى حكمها، فهي تمنح الإنسان فرصة للعمل والتأثير، ثم يأتي يوم يتركها فيه لغيره، ولا يبقى له إلا ما صنعه من أثر، وما حفظه من سيرة، ومن أحبوه لشخصه لا لصفته.

وحين يقوم الإنسان من كرسيه ويلتفت خلفه، لن يكون السؤال المهم: كم شخصًا كان يقف حولي؟

بل: كم واحدًا منهم بقي معي بعدما لم يعد هناك كرسي؟

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى