المقالات

شرف البضاعة..

    كنتُ قد تلقيتُ منذُ يومين دعوةً كريمةً لحضورِ حفلِ تكريم يقام بمناسبة تقاعد زميلينعزيزين علا كعبُهما في العمل التربوي في تخصُّصهما، وفي خدمتهما في الإشراف التربويوالنشاط الطلابي خلالَ ثلاثة عقود أو تزيد في تعليم مكة المكرمة.

      ولأن المحتفى بهما جديران بالتقدير، ولأن الداعي زميلُ عمل سابق، تجمعني به مودةٌ فيالتعليم موفورة، ومحبةٌ في الله موصولة، وهو إلى ذلك صديقٌ نفيسُ المعدن طيبَ المعشَر،يقتنصُ الفُرصَ ليجمعَ الزملاءَ، ويُبقي وشائج الودّ نابضة.. فقد حرِصتُ أيّما حرص على إجابةالدعوة والمشاركة ــ المعتادة ـــ بهديَّة للمكرمين، ولظرف طارئ كدتُ لا أستطيع المشاركةَوهممتُ بالاعتذار، ولكنَّني آثرتُ الحضورَ برُغم ظرفي القاهر تقديرا للمحتفى بهما، واغتباطابدعوة صديقي، ومحبةً في لقاء سوف يجتمعُ له زملاء أعزاء.

    ولأنني أعلمُ أن القائمين على الحفل سيطلبون مني الحديث، ولأن الوقتَ لم يسعفني أنأصحبَ معي هدية لائقة أشاركُ بها، تعلَّلْت حينئذ بقول أبي الطيب يرحمه الله:

لا خيل عندك تهديها ولا مال    فليسعد النطق إن لم يسعد الحال !

      ولأنه من نافلة القول الحديث عن المعلمِ بصفته يمارسُ أشرفَ مهنَةٍ ويُؤدِّي أعظَمَ رسالةٍ،ولا غَرْوَ فإنَّ التَّربية والتَّعليم مهنةُ المرسلينَ والأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وليس ثمَّةَ منيُجادل في ذلك!

      فقد عصفتُ ذاكرتي لأستحضرَ شيئا ذا قيمة يمكن أن يقالَ في هكذا مناسبة ويكونَ وثيقالصّلة بطبيعة العمل الذي ترجَّلَ عنه الزميلان المكرمان، فلم أجد أنسبَ من كلامٍ لابن خلدونرحمه الله في “مقدمته الشهيرة” حين ذكر الصناعات وأصحابها.. وكلامٍ للأستاذ: الزَّيات“صاحب الرسالة” ــ رحمه الله ــ في مقالة له عن الوظيفة التي وصفها “بعبودية العصر”.

   يقولُ ابن خلدون ــ وما أصدقَ ما قال ــ حين أتى في مُقدّمته على ذِكرِ الصِّناعات فعدَّدَهاوذكرَ أشرفَها، ووصفَ حالَ أصحابِها.. فجَعلَ المعلمين فيهم. يقول: “وهم أيضاً لشَرَفِبضاعَتهِم أعزَّة على الخَلْق وعند نفوسهِم، فلا يخضعُون لأهل الجاه حتى ينالوا منهُ حظاًيستَدرُّونَ به الرِّزقَ، بل ولا تَفرُغ أوقاتُهم لذلك؛ لما هم فيه منَ الشُّغل بهذه البضاعة الشَّريفةِالمشتملةِ على إعمالِ الفِكْرِ والبَدَنِ، بل ولا يسَعُهم ابتذالُ أنفُسِهم لأهلِ الدُّنيا لشَرفِ بضائِعهِم،فهم بمعْزِلٍ عن ذلك، فلذلك لا تَعظُمُ ثرواتُهم في الغالب”!.

    نعم هكذا هم المعلمون الذين أخلصوا القولَ والعملَ، واستثمروا أجملَ العُمر في البذلوالعطاء.. منصرفين عن كُل شيء إلا الإحسانَ فيما عُهدَ إليهم من الأمانة!

    أيها السادة..

     يلتحقُ المعلمُ بمهنتِه الشَّريفة ولمَّا يبلغ منتصفَ العشرينَ من العُمُر، ينطلق في ممارسةعمله طريرَ الشَّارب، أثيثَ الجُمَّة، ريَّان منَ الشَّبابِ والقُوَّةِ والأملِ! يتجاذب أطرافَ الحديثِ معنفسِه، يُحَدِّثُها بآمالٍ عريضَةٍ عن المستقبلِ بكلِّ أحلامِه.. ولكنَّهُ ما يلبثُ أن يُشْغَلَ عن جميعِتلكَ الأمنياتِ بإرادتِه أو بدونِها! حينَ ينغمسُ في مُهمَّتِه الجليلةِ، وترسَخُ فيها قدماهُ، ويتجذَّرُفي عملِهِ التَّعليميّ معلماً كان أو مديراً أو وكيلاً أو موجِّهاً طلابياً أو مُشرفاً تربوياً.. يتجذَّرُ تجذُّرَالسِّدرِ في سُهُولِ تهامةَ بظِلالهِ الوارفة والنَّخلَ في ربُوع اليمامة بثماره اليانعةِ المباركة!

     ثمَّ يتعاقبُ عليه الجديدان، يُودِّعُ عاماً ويستقبلُ عاماً، ويمضي به العمر دون أن يشعر حتىيأخُذَ بمُخَنَّقِ السِّتينَ، أو يوشِك! يختلفُ عليه الليلُ والنَّهارُ، وتتَبَدَّلُ من حوله الأحوالُ والأطوارُ،وهو يتنقَّلُ بين حُجُراتِ الدِّراسَةِ، ويجولُ في ردَهَاتِ المدارسِ، ومرافقِ الإداراتِ والمكاتبِالتَّعليميَّة! يعملُ السَّاعةَ تِلوَ الأخرى لا يشعُر بدورانِ الفَلَكِ! أو يفطَنُ إلى حركةِ العالمِ من حولِهِ! وربما تتعطَّلُ كثيرٌ من ملكاتِهِ، وينسى كثيراً من هواياتِهِ.. وهو لا يفتأُ يُفرِغُ كلَّ طاقاتِهِ الجسَديَّةِوالذِّهنيَّةِ في سبيلِ تحقيقِ أهدافِ هذهِ المهمَّة النَّبيلة التي أخلصَ لها النيَّةَ والجهدَ!

     يعيشُ المعلمونَ حياتَهُم الوظيفيَّة مُكبينَ على دفاترِ التَّحضيرِ، وكراريسِ الطَّلبةِ وأمام ألواحِالسُّبورةِ تقليديَّةً كانت أو ذكيَّةً! مغلولينَ عن الحركَة التي يتمتَّعُ بها غيرهُم، مكمومينَ عنالشَّكوى لسعادتهم بما يُنجزون وما يَغرسون من الخير! يستقْطِرونَ الرِّزقَ من شِقِّ القلَمِ،وفُتاتِ الطَّباشير، وتقليبِ صفحاتِ المقرَّراتِ المدرسيَّة والنَّظر في برنامج التطوير، والسِّباق فيملاحقَةِ مستجدَّات الإستراتيجيات.. وجديدِ برامج التَّنمية المهنيَّة، ومراقبةِ الهياكلِالتَّنظيميَّة..! وقد لا يُصيبُ كثيرٌ منهم من حظوظ دنياه سداداً من عِوَزٍ، ولا غنىً من فاقةٍ!

ثم ماذاُ؟

    يتقاعد المعلِّم، ويتركُ رفاقَ العملِ، يغادرُ المكانَ مُخَدَّدَ الوجهِ، أشيَبَ الشَّعْرِ، مُتداعيَ القُوىوالجسَدِ، فقيراً من المُنَى والذِّكْرِ والمالِ إلا من رحمَ الله! والمحظوظُ منهم بعدَ هذه الرحلة هوالذي يصلُح عموداً في مسجدٍ، إذا نجَى منَ الحاجةِ للجلوسِ على كُرسيٍّ!

    وربَّما تذكرَ بعضُهم في يوم تقاعُدِهِ تلكَ الفرحَةَ التي غمرتْهُ يوم بُشِّرَ بالتَّعيين واستدعَى تلكَالأمنياتِ التي كانت تُداعبُهُ وقتَئذٍ؛ فيتبسَّم ويُتمتِمُ في نفسه: صَدَقَتْ عليَّ مقولةُ “دانتي” فيملحمتِهِ الشَّهيرة حينَ كتبَ على أحدِ أبوابِ الجحيمِ: “أيُّها الداخلون، قَوِّضُوا حُصُونَ آمالكِم،وأضْمِرُوا اليأسَ من مآلكُم”!

    وقد يقولُ المعلّمُ المتقاعدُ لنفسِهِ ولمنْ يُحبُّ في هذه اللَّحظات: الحمدُ لله الذي تداركنيبلُطفِهِ، فسوفَ تنفَكُّ عني الآن سلاسلُ الالتزام الوظيفي، وتُفتَّحُ ليَ الأبوابُ لأجدَ عقليَ الذيوهبتُهُ للتعليم طيلة هذا العمر فيتَّقُدُ في مكانٍ آخرَ، وألتمسُ حُرِّيَّتي في فضاءات أرحَب، وأعيشُوجودي في المجتمع بطريقة مختلفة، وينبُتُ منِّي الرِّيشُ النَّاسِلُ، ويخفقُ الجناحُ المَهيضُ،وتتكشَّفُ أماميَ آفاقٌ جديدة!

    ثم ما يلبث أن يتراجعَ عن ذلك كلِّه قائلا: هيهاتَ هيهاتَ.. أنَّى يكونُ ذلكَ الآن؟!

    إنَّني أجزمُ الآنَ بأنَّ القارئ الكريم سوفَ يُخيَّل إليه بأنَّ المعلمينَ أولى النَّاسِ بالرِّثاء لأنَّهم ــوتلكَ حالُهُم ــ قد سُلِبُوا جوهرَ الحياةِ، وحريَّةَ العيْشِ، وأفنوا الأعمارَ في شقاءٍ وآلتْ بهم الحالُإلى التَّعاسَة!

      ولكن الأمر خلاف ذلك..

    صحيحٌ أنَّ المعلمَ موظَّفٌ، وتَجري عليه الأحوالُ التي تجْري على غالب الموظَّفينَ في كُلِّمجالٍ، وهذه طبيعةُ الدَّولةِ العصْريَّةِ، والحياةِ المنظَّمةِ المدنيَّة. وأما تقاعدُه ووداعه العملَالنِّظاميِّ بعد أعوامٍ حافلةٍ بالعطاءِ، مكتنزةٍ بالتَّضحيةِ في بناء العقولِ، وتقويمِ السُّلوكِ، وتهذيبِالنُّفوسِ.. فهذه سُنَّةُ العملِ الحُكوميِّ، وهذا مآلُ الموظَّفِ في كُلِّ قطاع..

    ولكن، هل يستوي من استثمرَ أجملَ العُمُر، وبذَلَ ذوْبَ النَّفْسِ، وأخلص أطيب الوقت ومنَحَالقناديلَ من فكرِه ودمِه وعظْمهِ في التَّربيةِ والتَّعليمِ.. هل يستوي مع غيرهِ في أيِّ مجال آخرَ..؟

لا سَواءَ يا سادتي !

     فيكفي المعلمَ شرَفاً وفضلاً وذخيرةً أنَّهُ طيلةَ رحلتِه العمليَّة يبذلُ الجهدَ الجميلَ مُحبَّاًمُخلصاً مُتفانياً مُتقناً مُغتبطاً.. في رحاب ِرسالتهِ التي قُلنا ابتداءً: إنَّها من خواصِّ الأنبياءِ والرُّسلِعليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقد خرَّج الطَّبرانيُّ في مُسندهِ من حديثِ جابرِ بن عبد الله عن النَّبيِّصلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: “مُعلمُ النَّاسِ الخيرَ يستغفرُ له كُلُّ شيءٍ حتى الحيتانُ في البَحْر”. وهل يَخرجُ عملُ المعلمِ عن هذه الخيريَّة؟!

     فقرَّ عيناً أيُّها المعلمُ بما قدَّمتَ.. وقد قدَّمتَ الجميلَ يتلوهُ الجميلُ، والنَّفعَ يتبعُهُ النَّفعُ،والخيرَ يعقبُهُ الخيرُ. واحمد اللهَ الذي يسَّرَ لك ذلكَ، وامتنَّ به عليكَ دون كثيرٍ من عبادهِ!

     ثمَّ إنَّ المعلمَ قد كان خلال مسيرتِهِ موفورُ الحيويَّة، مُتجدِّدُ النَّشاط، مُتَّقدُ الهمَّة   لا ينفكُّيصْقلُ مهاراتِهِ بالتَّجربَةِ، ويُؤصِّلُ التّجربةَ بالمعرفَةِ، يتتبَّعُ الجديدَ في العُلومِ والمعارفِوالتِّقانَة.. ويمزجُ ذلكَ بما يمتلكُ من خبرَةٍ، فيصنَعُ منه الأداةَ المبتكَرَةَ والوسيلةَ المفيدةَ،والمبادرةَ الخلاَّقَةَ.. ثُمَّ يُوظِّف ذلكَ كُلَّهُ في ممارساتِهِ العمليَّة من أجلِ إذْكاءِ عقولِ طلبتهِ وتفتيقِمداركِهِم؛ ليُصْبحوا قادرينَ ــ بإذن الله ــ على اكتسابِ المعرفةِ وصناعتِها، والوعْيِ بالعَصْر الذييعيشونَه ومستجداتِه، والاستعدادِ للمستقبلِ الذي ينتظرهُم وتحدياتِه..

     وللمعلِّمِ ــ أيها النبلاء ــ  مَيْزةً أخرى عظيمة، وخاصيَّة يتفرَّدُ بها عن غيره، تفرضُها عليهطبيعةُ رسالتِه، ولا يَجدُّ بُدّاً من إلزامِ نفسِهِ بها في محيطِ عملهِ، وفي مجتمعهِ الواسعِ..

تِلكُم الميزة هي القُدوةُ !

     نعم، المعلِّمُ قُدوَة.. قُدوة ٌفي: منطقهِ وفكرهِ وسُلوكهِ، وفي حُضوره وحُسْنِ شارتهِ، وفيمِشيتهِ وجلوسهِ، وحديثهِ وسكوتهِ، وفي عمَلهِ وسكونهِ.. قُدوَةٌ حَسَنةٌ لطلبتهِ وزملائه وللمجتمعِبمختلفِ أطيافهِ وفئاتهِ.. ولا يملكُ إلا أن يكونَ كذلكَ!

     ألم يقُلْ عُتْبَةُ بن أبي سفيان لعبد الصَّمدِ مؤدِّب ولدِه: “ليَكُن أوَّلَ ما تبدأُ به من إصلاحكَ بنيَّإصلاحُكَ نفسَكَ؛ فإنَّ أعينَهُم معقودةٌ بعينكَ، فالحَسَنُ عندهُم ما استحسَنتَ والقبيحُ عندهُمما استقبحت.َ... أوَ ليسَت هذه وحدَها كافيةً بأن تجعلَ مكان المعلِّمَ فوقَ كُلِّ مكان؟!    

فهل تُدركُ الأجيالُ الجديدةُ من المعلمين شرفَ بضاعَتِها وترعاها؟

• كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى